بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين . ما كان
للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد
ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم . وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن
موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم . وما
كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شئ
عليم . إن الله له ملك السماوات والأرض يحيى ويميت وما لكم من دون الله من ولى
ولا نصير .
شرح
الهجرة ، وهذا آخر ما نزل بالمدينة . وقيل استغفر لأبيه ، وقيل قال المسلمون : ما يمنعنا أن نستغفر لآبائنا وذوي
قرابتنا وقد استغفر إبراهيم لأبيه وهذا محمد يستغفر لعمه ( ما كان للنبي ) ما صح له الاستغفار في حكم الله وحكمته
( من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ) لأنهم ماتوا على الشرك . قرأ طلحة : وما استغفر إبراهيم لأبيه ، وعنه :
وما يستغفر إبراهيم على حكاية الحال الماضية ( إلا عن موعدة وعدها إياه ) أي وعدها إبراهيم أباه وهو قوله
- لأستغفرن لك - ويدل عليه قراءة الحسن وحماد الراوية وعدها أباه . فإن قلت : كيف خفى على إبراهيم أن
الاستغفار للكفار غير جائز حتى وعده ؟ قلت : يجوز أن يظن أنه ما دام يرجى منه الإيمان جاز الاستغفار له ، على
أن امتناع جواز الاستغفار للكافر إنما علم بالوحي ، لأن العقل يجوز أن يغفر الله للكافر ، ألا ترى إلى قوله عليه
الصلاة والسلام لعمه : لأستغفرن لك مالم أنه . وعن الحسن قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن فلانا يستغفر لآبائه
المشركين ، فقال : ونحن نستغفر لهم ، فنزلت . وعن علي رضي الله عنه : رأيت رجلا يستغفر لأبويه وهما
مشركان ، فقلت له فقال : أليس قد استغفر إبراهيم ؟ فإن قلت فما معنى قوله ( فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ) ؟
قلت : معناه فلما تبين له من جهة الوحي أنه لن يؤمن وأنه يموت كافرا وانقطع رجاؤه عنه قطع استغفاره ، فهو
كقوله - من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم - أواه فعال من أوه كلأل من اللؤلؤ وهو الذي يكثر التأوه ،
ومعناه : أنه لفرط ترحمه ورقته وحلمه كان يتعطف على أبيه الكافر ويستغفر له مع شكاسته عليه ، وقوله
- لأرجمنك - يعنى ما أمر الله باتقائه واجتنابه كالاستغفار للمشركين وغيره مما نهى عنه ، وبين أنه محظور لا يؤاخذ
به عباده الذين هداهم للإسلام ، ولا يسميهم ضلالا ولا يخذلهم إلا إذا أقدموا عليه بعد بيان حظره عليهم وعلمهم
بأنه واجب الاتقاء والاجتناب ، وأما قبل العلم والبيان فلا سبيل عليهم ، كما لا يؤاخذون بشرب الخمر ولا ببيع