خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم ، والله لا يهدي
القوم الظالمين . لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم
والله عليم حكيم . إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة
شرح
وقيل كانوا لا ينامون الليل على الجنابة ويتبعون الماء أثر البول . وعن الحسن ، هو التطهر من الذنوب بالتوبة ،
وقيل يحبون أن يتطهروا بالحمى المكفرة لذنوبهم فحموا عن آخرهم . فإن قلت : ما معنى المحبتين ؟ قلت : محبتهم
للتطهر أنهم يؤثرونه ويحرصون ويحرصون عليه حرص المحب للشئ المشتهى له على إيثاره ، ومحبة الله تعالى إياهم أنه يرضى
عنهم ويحسن إليهم كما يفعل المحب بمحبوبه . قرئ أسس بنيانه ، وأسس بنيانه على البناء للفاعل والمفعول ،
وأسس بنيانه جمع أساس على الإضافة ، وأساس بنيانه بالفتح والكسر جمع أسس ، وآساس بنيانه على أفعال جمع
أس أيضا ، وأس بنيانه ، والمعنى : أفمن أسس بنيان دينه على قاعدة قوية محكمة وهى الحق الذي هو تقوى الله
ورضوانه ( خير أم من ) أسسه على قاعدة هي أضعف القواعد وأرخاها وأقلها بقاء وهو الباطل والنفاق الذي مثله
مثل ( شفا جرف هار ) في قلة الثبات والاستمساك ، وضع شفا الجرف في مقابلة التقوى لأنه جعل مجازا عما ينافي
التقوى . فإن قلت : فما معنى قوله ( فانهار به في نار جهنم ) ؟ قلت : لما جعل الجرف الهائر مجازا عن الباطل قيل
فانهار به في نار جهنم على معنى فطاح به الباطل في نار جهنم ، إلا أنه رشح المجاز فجئ بلفظ الانهيار الذي هو
للجرف ، وليصور أن المبطل كأنه أسس بنيانا على شفا جرف من أودية جهنم فانهار به ذلك الجرف فهوى في قعرها .
والشفا : الحرف والشفير ، وجرف الوادي : جانبه الذي يتحفر أصله بالماء وتجرفه السيول فيبقى واهيا .
والهار : الهائر وهو المتصدع الذي أشفى على التهدم والسقوط ، ووزنه فعل قصر عن فاعل كخلف من خالف ،
ونظيره شاك وصات في شائك وصائت ، وألفه ليست بألف فاعل إنما هي عينه ، وأصله هور وشوك وصوت ،
ولا ترى أبلغ من هذا الكلام ولا أدل على حقيقة الباطل وكنه أمره . وقرئ جرف بسكون الراء . فإن قلت : فما
وجه ما روى سيبويه عن عيسى بن عمر على تقوى من الله بالتنوين . قلت : قد جعل الألف للإلحاق لا للتأنيث
كتترى فيمن نون ألحقها بجعفر . وفى مصحف أبى فانهارت به قواعده . وقيل حفرت بقعة من مسجد الضرار
فرؤى الدخان يخرج منه . وروى أن مجمع بن حارثة كان إمامهم في مسجد الضرار ، فكلم بنو عمرو بن عوف
أصحاب مسجد قباء عمر بن الخطاب في خلافته أن يأذن لجمع فيؤمهم في مسجدهم ، فقال لا ، ولا نعمة عين أليس
بإمام مسجد الضرار ، فقال : يا أمير المؤمنين لاتعجل على ، فوالله لقد صليت بهم والله يعلم أنى لا أعلم ما أضمروا
فيه ، ولو علمت ما صليت معهم فيه ، كنت غلاما قارئا للقرآن وكانوا شيوخا لا يقرأون من القرآن شيئا ، فعذره
وصدقه وأمره بالصلاة بقومه . ريبه : شكا في الدين ونفاقا ، وكان القوم منافقين ، وإنما حملهم على بناء ذلك
المسجد كفرهم ونفاقهم كما قال عز وجل - ضرارا وكفرا - فلما هدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ازدادوا لما
غاظهم من ذلك وعظم عليهم تصميما على النفاق ومقتا للإسلام ، فمعنى قوله ( لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبه في
قلوبهم ) لا يزال هدمه سبب شك ونفاق زائد على شكهم ونفاقهم ، لا يزول وسمه عن قلوبهم ولا يضمحل أثره
( إلا أن تقطع قلوبهم ) قطعا وتفرق أجزاء فحينئذ يسلون عنه ، وإما ما دامت سالمة مجتمعه فالريبة باقية فيها