والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم .
يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم
شرح
في الشرائع ( والذين يكنزون ) يجوز أن يكون إشارة إلى الكثير من الأحبار والرهبان للدلالة على اجتماع خصلتين
مذمومتين فيهم : أخذ البراطيل ، وكنز الأموال والضن بها عن الإنفاق في سبيل الخير . ويجوز أن يراد المسلمون
الكانزون غير المنفقين ، ويقرن بينهم وبين المرتشين من اليهود والنصارى تغليظا ودلالة على أن من يأخذ منهم
السحت ومن لا يعطى منكم طيب ما له سواء في استحقاق البشارة بالعذاب الأليم . وقيل نسخت الزكاة آية الكنز ،
وقيل هي ثابتة ، وإنما عنى بترك الإنفاق في سبيل الله منع الزكاة . وعن النبي صلى الله عليه وسلم " ما أدى زكاته
فليس بكنز وإن كان باطنا ، وما بلغ أن يزكى فلم يزك فهو كنز وإن كان ظاهرا " وعن عمر رضي الله عنه أن رجلا
سأله عن أرض له باعها فقال : أحرز مالك الذي أخذت ، احفر له تحت فراش امرأتك ، قال : أليس بكنز ؟
قال : ما أدى زكاته فليس بكنز . وعن ابن عمر رضي الله عنهما : كل ما أديت زكاته فليس بكنز وإن كان
تحت سبع أرضين ، وما لم تؤد زكاته فهو الذي ذكر الله تعالى وإن كان على ظهر الأرض . فان قلت : فما تصنع
بما روى سالم بن الجعد رضي الله عنه أنها لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " تبا للذهب ، تبا للفضة ،
قالها ثلاثا ، فقالوا له : أي مال نتخذ ؟ قال : لسانا ذاكرا وقلبا خاشعا وزوجة تعين أحدكم على دينه " وبقوله
عليه الصلاة والسلام " من ترك صفراء أو بيضاء كوى بها " وتوفى رجل فوجد في مئزره دينار ، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : كية ، وتوفى آخر فوجد في مئزره ديناران فقال : كيتان " . قلت : كان هذا قبل أن تفرض
الزكاة ، فأما بعد فرض الزكاة فالله أعدل وأكرم من أن يجمع عبده مالا من حيث أذن له فيه ويؤدى عنه ما أوجب
عليه فيه ثم يعاقبه ، ولقد كان كثير من الصحابة كعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيد الله وعبيد الله رضي الله عنهم
يقتنون الأموال ويتصرفون فيها وما عابهم أحد ممن أعرض عن القنية ، لأن الإعراض اختيار للأفضل والأدخل
في الورع والزهد في الدنيا ، والاقتناء مباح موسع لا يذم صاحبه ولكل شئ حد ، وما روى عن علي رضي الله عنه
: أربعة آلاف فما دونها نفقة فما زاد فهو كنز ، كلام في الأفضل . فإن قلت : لم قيل ولا ينفقونها وقد ذكر
شيئان ؟ قلت : ذهابا بالضمير إلى المعنى دون اللفظ ، لأن كل واحد منهما جملة وافية وعدة كثيرة ودنانير
ودراهم فهو كقوله - وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا - وقيل ذهب به إلى الكنوز ، وقيل إلى الأموال ، وقيل
معناه : ولا ينفقونها والذهب ، كما أن معنى قوله : * فإني وقياربها لغريب * وقيار كذلك . فإن قلت :
لم خصا بالذكر من بين سائر الأموال ؟ قلت : لأنهما قانون التمول وأثمان الأشياء ولا يكنزهما إلا من فضلا عن
حاجته ومن كثرا عنده حتى يكنزهما لم يعدم سائر أجناس المال ، فكان ذكر كنزهما دليلا على ما سواهما . فإن
قلت ما معنى قوله ( يحمى عليها ) وهلا قيل تحمى من قولك حمى الميسم وأجميته ولا تقول أحميت على الحديد ؟