تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم . يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم
شرح
في الشرائع ( والذين يكنزون ) يجوز أن يكون إشارة إلى الكثير من الأحبار والرهبان للدلالة على اجتماع خصلتين مذمومتين فيهم : أخذ البراطيل ، وكنز الأموال والضن بها عن الإنفاق في سبيل الخير . ويجوز أن يراد المسلمون الكانزون غير المنفقين ، ويقرن بينهم وبين المرتشين من اليهود والنصارى تغليظا ودلالة على أن من يأخذ منهم السحت ومن لا يعطى منكم طيب ما له سواء في استحقاق البشارة بالعذاب الأليم . وقيل نسخت الزكاة آية الكنز ، وقيل هي ثابتة ، وإنما عنى بترك الإنفاق في سبيل الله منع الزكاة . وعن النبي صلى الله عليه وسلم " ما أدى زكاته فليس بكنز وإن كان باطنا ، وما بلغ أن يزكى فلم يزك فهو كنز وإن كان ظاهرا " وعن عمر رضي الله عنه أن رجلا سأله عن أرض له باعها فقال : أحرز مالك الذي أخذت ، احفر له تحت فراش امرأتك ، قال : أليس بكنز ؟ قال : ما أدى زكاته فليس بكنز . وعن ابن عمر رضي الله عنهما : كل ما أديت زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين ، وما لم تؤد زكاته فهو الذي ذكر الله تعالى وإن كان على ظهر الأرض . فان قلت : فما تصنع بما روى سالم بن الجعد رضي الله عنه أنها لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " تبا للذهب ، تبا للفضة ، قالها ثلاثا ، فقالوا له : أي مال نتخذ ؟ قال : لسانا ذاكرا وقلبا خاشعا وزوجة تعين أحدكم على دينه " وبقوله عليه الصلاة والسلام " من ترك صفراء أو بيضاء كوى بها " وتوفى رجل فوجد في مئزره دينار ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كية ، وتوفى آخر فوجد في مئزره ديناران فقال : كيتان " . قلت : كان هذا قبل أن تفرض الزكاة ، فأما بعد فرض الزكاة فالله أعدل وأكرم من أن يجمع عبده مالا من حيث أذن له فيه ويؤدى عنه ما أوجب عليه فيه ثم يعاقبه ، ولقد كان كثير من الصحابة كعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيد الله وعبيد الله رضي الله عنهم يقتنون الأموال ويتصرفون فيها وما عابهم أحد ممن أعرض عن القنية ، لأن الإعراض اختيار للأفضل والأدخل في الورع والزهد في الدنيا ، والاقتناء مباح موسع لا يذم صاحبه ولكل شئ حد ، وما روى عن علي رضي الله عنه : أربعة آلاف فما دونها نفقة فما زاد فهو كنز ، كلام في الأفضل . فإن قلت : لم قيل ولا ينفقونها وقد ذكر شيئان ؟ قلت : ذهابا بالضمير إلى المعنى دون اللفظ ، لأن كل واحد منهما جملة وافية وعدة كثيرة ودنانير ودراهم فهو كقوله - وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا - وقيل ذهب به إلى الكنوز ، وقيل إلى الأموال ، وقيل معناه : ولا ينفقونها والذهب ، كما أن معنى قوله : * فإني وقياربها لغريب * وقيار كذلك . فإن قلت : لم خصا بالذكر من بين سائر الأموال ؟ قلت : لأنهما قانون التمول وأثمان الأشياء ولا يكنزهما إلا من فضلا عن حاجته ومن كثرا عنده حتى يكنزهما لم يعدم سائر أجناس المال ، فكان ذكر كنزهما دليلا على ما سواهما . فإن قلت ما معنى قوله ( يحمى عليها ) وهلا قيل تحمى من قولك حمى الميسم وأجميته ولا تقول أحميت على الحديد ؟
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 187 | الزمخشري