بما رحبت ثم وليتم مدبرين . ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين
وأنزل جنودا لم تروها
شرح
ولم يكونوا كثيرا في جميعها ، فبقى أن يكون ناصبه فعلا خاصا به إلا إذا بإضمار أذكر . وحنين : واد
بين مكة والطائف كانت فيه الوقعة بين المسلمين ، وهم اثنا عشر ألفا الذين حضروا فتح مكة منضما إليهم ألفان من
الطلقاء ، وبين هوازن وثقيف وهم أربعة آلاف فيمن ضامهم من أمداد سائر العرب فكانوا الجم الغفير ، فلما
التقوا قال رجل من المسلمين : لن نغلب اليوم من قلة ، فساءت رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقيل قائلها
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقيل أبو بكر رضي الله عنه ، وذلك قوله - أعجبتكم كثرتكم - فاقتتلوا قتالا
شديدا وأدركت المسلمين كلمة الإعجاب بالكثرة وزل عنهم أن الله هو الناصر لا كثرة الجنود ، فانهرموا حتى بلغ
فلهم مكة ، وبقى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده وهو ثابت في مركزه لا يتحلحل ليس معه إلا عمه العباس
رضي الله عنه آخذا بلجام دابته ، وأبو سفيان بن الحرث بن عمه ، وناهيك بهذه الواحدة شهادة صدق على تناهى
شجاعته ورباطة جأشه صلى الله عليه وسلم وما هي إلا آيات من آيات النبوة وقال : يا رب ائتني بما وعدتني ، وقال صلى
الله عليه وسلم للعباس وكان صيتا : صيح بالناس ، فنادى الأنصار فخذا فخذا ، ثم نادى يا أصحاب الشجرة
يا أصحاب البقرة فكروا عنقا واحدا وهم يقولون لبيك لبيك ، ونزلت الملائكة عليهم البياض على خيول بلق ،
فنظر رسول الله صلى عليه وسلم إلى قتال المسلمين فقال هذا حين حمى الوطيس ، ثم أخذ كفا من تراب فرماهم
به ثم قال : انهزموا ورب الكعبة فانهزموا . قال العباس : لكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض
خلفهم على بغلته ( بما رحبت ) ما مصدرية والباء بمعنى مع : أي مع رحبها ، وحقيقته ملتبسة برحبها على أن الجار
والمجرور في موضع الحال كقولك : دخلت عليه بثياب السفر : أي ملتبسا بها لم أحلها ، تعنى مع ثياب السفر ،
والمعنى : لا تجدون موضعا تستصلحونه لهربكم إليه ونجاتكم لفرط الرعب فكأنها ضاقت عليكم ( ثم وليتم مدبرين )
ثم انهزمتم ( سكينته ) رحمته التي سكنوا بها وآمنوا ( وعلى المؤمنين ) الذين انهزموا ، وقيل هم الذين ثبتوا مع رسول
الله صلى الله عليه وسلم حين وقع الهرب ( وأنزل جنودا ) يعنى الملائكة ، وكانوا ثمانية آلاف ، وقيل خمسة آلاف