ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون . ليميز
الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله
في جهنم أولئك هم الخاسرون . قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف
وإن يعودوا فقد مضت سنت الأولين . وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين
كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير .
شرح
أي كان غرضهم في الإنفاق الصد عن اتباع محمد وهو سبيل الله وإن لم يكن عندهم كذلك ( ثم تكونوا عليهم حسرة )
أي تكون عاقبة إنفاقها ندما وحسرة ، فكأن ذاتها تصير ندما وتنقلب حسرة ( ثم يغلبون ) آخر الأمر وإن كانت
الحرب بينهم وبين المؤمنين سجالا قبل ذلك فيرجعون طلقاء - كتب الله لأغلبن أنا ورسلي - ( والذين كفروا )
والكافرون منهم ( إلى جهنم يحشرون ) لأن منهم من أسلم وحسن إسلامه ( ليميز الله الخبيث ) الفريق الخبيث من
الكفار ( من ) الفريق ( الطيب ) من المؤمنين . فيجعل الفريق ( الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا ) عبارة عن
الجمع والضم حتى يتراكبوا كقوله تعالى - كادوا يكونون عليه لبدا - يعنى لفرط ازدحامهم ( أولئك ) إشارة إلى
الفريق الخبيث ، وقيل ليميز المال الخبيث الذي أنفقه المشركون في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم من المال
الطيب الذي أنفقه المسلمون كأبي بكر وعثمان في نصرته ، فيركمه فيجعله في جهنم في جملة ما يعذبون به كقوله
- فتكوى بها جباههم وجنوبهم - الآية ، واللام على هذا متعلقة بقوله - ثم تكون عليهم حسرة - وعلى الأول
بيحشرون وأولئك إشارة إلى الذين كفروا . وقرئ ليميز على التخفيف ( قل للذين كفروا ) من أبي سفيان
وأصحابه : أي قل لأجلهم هذا القول وهو ( إن ينتهوا ) ولو كان بمعنى خاطبهم به لقيل : إن تنتهوا يغفر لكم ،
وهى قراءة ابن مسعود ونحوه - وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه - خاطبوا به غيرهم
لأجلهم ليسمعوه : أي إن ينتهوا عماهم عليه من عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتاله بالدخول في الإسلام
( يغفر لهم ما قد سلف ) لهم من العداوة ( وإن يعودوا ) لقتاله ( فقد مضت سنت الأولين ) منهم الذين حاق بهم
مكرهم يوم بدر ، أو فقد مضت سنة الذين تحزبوا على أنبيائهم من الأمم فدمروا فليتوقعوا مثل ذلك إن لم ينتهوا .
وقيل معناه أن الكفار إذا انتهوا عن الكفر وأسلموا غفر لهم ما قد سلف لهم من الكفر والمعاصي وخرجوا منها كما
تنسل الشعرة من العجين ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام " الإسلام يجب ما قبله " وقالوا : الحربي إذا أسلم لم يبق
عليه تبعة قط ، وأما الذي فلا يلزمه قضاء حقوق الله وتبقى عليه حقوق الآدميين ، وبه احتج أبو حنيفة رحمه الله
في أن المرتد إذا أسلم لم يلزمه قضاء العبادات المتروكة في حال الردة وقبلها ، وفسر " وإن يعودوا " بالارتداد .
وقرئ يغفر لهم على أن الضمير لله عز وجل ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ) إلى أن لا يوجد فيهم شرط قط ( ويكون
الدين كله لله ) ويضمحل عنهم كل دين باطل ويبقى فيهم دين الإسلام وحده ( فإن انتهوا ) عن الكفر وأسلموا
( فإن الله بما يعملون بصير ) يثيبهم على توبهم وإسلامهم ، وقرئ تعملون بالتاء ، فيكون المعنى : فإن الله بما
تعملون من الجهاد في سبيله والدعوة إلى دينه والإخراج من ظلمة إلى نور الإسلام بصير يجازيكم عليه أحسن