تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضى الله أمرا كان مفعولا . ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم . إذ يريكهم الله
شرح
أسفل منكم ) يعنى الركب الأربعين الذين كانوا يقودون العير أسفل منكم بالساحل ، وأسفل نصب على الظرف معناه : مكانا أسفل من مكانكم ، وهو مرفوع المحل لأنه خبر للمبتدأ . فإن قلت : ما فائدة هذا التوقيت وذكر مراكز الفريقين وأن العير كانت أسفل منهم ؟ قلت : الفائدة فيه الإخبار عن الحال الدالة على قوة شأن العدو وشوكته وتكامل عدته وتمهد أسباب الغلبة له ، وضعف شأن المسلمين والتياث أمرهم ، وأن غلبتهم في مثل هذه الحال ليست إلا صنعا من الله سبحانه ، ودليلا على أن ذلك أمر لم يتيسر إلا بحوله وقوته وباهر قدرته ، وذلك أن العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون كان فيها الماء وكانت أرضا لا بأس بها ، ولا ماء بالعدوة الدنيا وهى خبار تسوخ فيها الأرجل ولا يمشى فيها إلا بتعب ومشقة ، وكانت العير وراء ظهور العدو مع كثرة عددهم ، فكانت الحماية دونها تضاعف حميتهم وتشحذ في المقاتلة عنها نياتهم ، ولهذا كانت العرب تخرج إلى الحرب بظعنهم وأموالهم ليبعثهم الذب عن الحريم والغيرة على الحرم على بذل جهيداهم في القتال ، وأن لا يتركوا وراءهم ما يحدثون أنفسهم بالانحياز إليه ، فيجمع ذلك قلوبهم ويضبط هممهم ويوطن نفوسهم على أن لا يبرحوا مواطنهم ولا يخلوا مراكزهم ويبذلوا منهى نجدتهم وقصارى شدتهم . فيه تصوير ما دبر سبحانه ممن أمر وقعة بدر ليقضى أمرا كان مفعولا ، من إعزاز دينه وإعلاء كلمته حين وعد المسلمين إحدى الطائفتين مبهمة غير مبينة ، حتى خرجوا ليأخذوا العير راغبين في الخروج ، وشخص بقريش مرعوبين مما بلغهم من تعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم لأموالهم حتى نفروا ليمنعوا غيرهم ، وسبب الأسباب حتى أناخ هؤلاء بالعدوة الدنيا وهؤلاء بالعدوة القصوى ووراءهم العير يحامون عليها ، حتى قامت الحرب على ساق وكان ما كان ( ولو تواعدتم ) أنتم وأهل مكة وتواضعتم بينكم على موعد تلتقون فيه للقتال الخالف بعضكم بعضا ، فثبطكم قلتكم وكثرتهم عن الوفاء بالموعد ، وثبطهم ما في قلوبهم من تهيب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين ، فلم يتفق لكم من التلاقي ما وفقه الله وسبب له ( ليقضى ) متعلق بمحذوف : أي ليقضى أمرا كان واجبا أن يفعل ، وهو نصر أوليائه وقهر أعدائه دبر ذلك ، وقوله ( ليهلك ) بدل منه واستعير الهلاك والحياة للكفر والإسلام : أي ليصدر كفر من كفر عن وضوح بينة لاعن مخالجة شبهة ، حتى لا تبقى له على الله حجة ، ويصدر إسلام من أسلم أيضا عن يقين وعلم بأنه دين الحق الذي يجب الدخول فيه والتمسك به ، وذلك أن ما كان من وقعة بدر من الآيات الغر المحجلة التي من كفر بعدها كان مكابرا لنفسه مغالطا لها ، وقرئ ليهلك بفتح اللام وحيى بإظهار التضعيف ( لسميع عليم ) يعلم كيف يدبر أموركم ويسوى مصالحكم ، أو لسميع عليم بكفر من كفر وعقابه ، وبإيمان من آمن وثوابه ( إذ يريكهم الله ) نصبه بإضمار أذكر ، أو هو بدل