أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضى الله أمرا كان مفعولا .
ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم . إذ
يريكهم الله
شرح
أسفل منكم ) يعنى الركب الأربعين الذين كانوا يقودون العير أسفل منكم بالساحل ، وأسفل نصب على الظرف
معناه : مكانا أسفل من مكانكم ، وهو مرفوع المحل لأنه خبر للمبتدأ . فإن قلت : ما فائدة هذا التوقيت وذكر
مراكز الفريقين وأن العير كانت أسفل منهم ؟ قلت : الفائدة فيه الإخبار عن الحال الدالة على قوة شأن العدو
وشوكته وتكامل عدته وتمهد أسباب الغلبة له ، وضعف شأن المسلمين والتياث أمرهم ، وأن غلبتهم في مثل هذه
الحال ليست إلا صنعا من الله سبحانه ، ودليلا على أن ذلك أمر لم يتيسر إلا بحوله وقوته وباهر قدرته ، وذلك أن
العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون كان فيها الماء وكانت أرضا لا بأس بها ، ولا ماء بالعدوة الدنيا وهى خبار
تسوخ فيها الأرجل ولا يمشى فيها إلا بتعب ومشقة ، وكانت العير وراء ظهور العدو مع كثرة عددهم ، فكانت
الحماية دونها تضاعف حميتهم وتشحذ في المقاتلة عنها نياتهم ، ولهذا كانت العرب تخرج إلى الحرب بظعنهم وأموالهم
ليبعثهم الذب عن الحريم والغيرة على الحرم على بذل جهيداهم في القتال ، وأن لا يتركوا وراءهم ما يحدثون أنفسهم
بالانحياز إليه ، فيجمع ذلك قلوبهم ويضبط هممهم ويوطن نفوسهم على أن لا يبرحوا مواطنهم ولا يخلوا مراكزهم
ويبذلوا منهى نجدتهم وقصارى شدتهم . فيه تصوير ما دبر سبحانه ممن أمر وقعة بدر ليقضى أمرا كان مفعولا ،
من إعزاز دينه وإعلاء كلمته حين وعد المسلمين إحدى الطائفتين مبهمة غير مبينة ، حتى خرجوا ليأخذوا العير
راغبين في الخروج ، وشخص بقريش مرعوبين مما بلغهم من تعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم لأموالهم حتى
نفروا ليمنعوا غيرهم ، وسبب الأسباب حتى أناخ هؤلاء بالعدوة الدنيا وهؤلاء بالعدوة القصوى ووراءهم العير
يحامون عليها ، حتى قامت الحرب على ساق وكان ما كان ( ولو تواعدتم ) أنتم وأهل مكة وتواضعتم بينكم على
موعد تلتقون فيه للقتال الخالف بعضكم بعضا ، فثبطكم قلتكم وكثرتهم عن الوفاء بالموعد ، وثبطهم ما في قلوبهم
من تهيب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين ، فلم يتفق لكم من التلاقي ما وفقه الله وسبب له ( ليقضى )
متعلق بمحذوف : أي ليقضى أمرا كان واجبا أن يفعل ، وهو نصر أوليائه وقهر أعدائه دبر ذلك ، وقوله ( ليهلك )
بدل منه واستعير الهلاك والحياة للكفر والإسلام : أي ليصدر كفر من كفر عن وضوح بينة لاعن مخالجة شبهة ،
حتى لا تبقى له على الله حجة ، ويصدر إسلام من أسلم أيضا عن يقين وعلم بأنه دين الحق الذي يجب الدخول فيه
والتمسك به ، وذلك أن ما كان من وقعة بدر من الآيات الغر المحجلة التي من كفر بعدها كان مكابرا لنفسه مغالطا
لها ، وقرئ ليهلك بفتح اللام وحيى بإظهار التضعيف ( لسميع عليم ) يعلم كيف يدبر أموركم ويسوى مصالحكم ،
أو لسميع عليم بكفر من كفر وعقابه ، وبإيمان من آمن وثوابه ( إذ يريكهم الله ) نصبه بإضمار أذكر ، أو هو بدل