تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
وهم يستغفرون وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون . وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية ، فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون . إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها
شرح
بأنهم مرصدون بالعذاب إذا هاجر عنهم ، والدليل على هذا الإشعار قوله - وما لهم ألا يعذبهم الله - وإنما يصح هذا بعد إثبات التعذيب كأنه قال : وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وهو معذبهم إذا فارقتهم وما لهم أن لا يعذبهم ( وهم يستغفرون ) في موضع الحال ، ومعناه نفى الاستغفار عنهم : أي ولو كانوا ممن يؤمن ويستغفر من الكفر لما عذبهم كقوله - وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون - ولكنهم لا يؤمنون ولا يستغفرون ولا يتوقع ذلك منهم ، وقيل معناه : وما كان الله معذبهم وفيهم من يستغفر وهم المسلمون بين أظهرهم ممن تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من المستضعفين ( وما لهم أن لا يعذبهم الله ) وأي شئ لهم في انتفاء العذاب عنهم : يعنى لاحظ لهم في ذلك وهم معذبون لا محالة ، وكيف لا يعذبون وحالهم أنهم يصدون عن المسجد الحرام كما صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية ، وإخراجهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من الصد وكانوا يقولون نحن ولاة البيت الحرام ، فنصد من نشاء وندخل من نشاء ( وما كانوا أولياءه ) وما استحقوا مع إشراكهم وعداوتهم للدين أن يكونوا ولاة أمره وأربابه ( إن أولياؤه إلا المتقون ) من المسلمين ليس كل مسلم أيضا ممن يصلح لأن يلي أمره ، إنما يستأهل ولايته من كان براتقيا فيكف بالكفرة عبدة الأصنام ؟ ( ولكن أكثرهم لا يعلمون ) كأنه استثنى من كان يعلم وهو يعاند ويطلب الرياسة أو أراد بالأكثر الجمع كما يراد بالقلة العدم . المكاء فعال بوزن الثغاء والرغاء من مكا يمكو إذا صفر ، ومنه المكاء كأنه سمى بذلك لكثرة مكائه ، وأصله الصفة نحو الوضاء والقراء : وقرئ مكا بالقصر ونظير هما البكى والبكاء . والتصدية : التصفيق تفعلة من الصدى أو من صد يصد - إذا قومك منه يصدون - وقرأ الأعمش " وما كان صلاتهم " بالنصب على تقديم خبر كان على اسمه . فإن قلت : ما وجه هذا الكلام ؟ قلت : هو نحو من قوله : وما كنت أخشى أن يكون عطاؤه * أداهم سودا أو محدرجة سمرا والمعنى : أنه وضع القيود والسياط موضع العطاء ، ووضعوا المكاء والتصدية موضع الصلاة ، وذلك أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة الرجال والنساء وهم مشبكون بين أصابعهم يصفرون فيها ويصفقون ، وكانوا يفعلون نحو ذلك إذا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاته يخلطون على ( فذوقوا ) عذاب القتل والأسر يوم بدر بسبب كفركم وأفعالكم التي لا يقدم عليها إلا الكفرة . قيل نزلت في المطعمين يوم بدر ، كان يطعم كل واحد منهم كل يوم عشر جزائر . وقيل قالوا لكل من كان له تجارة في العير : أعينوا بهذا المال على حرب محمد لعلنا ندرك منه ثأرنا بما أصيب منا ببدر ، وقيل نزلت في أبي سفيان وقد استأجر ليوم أحد ألفين من الأحابيش سوى من استجاش من العرب ، وأنفق عليهم أربعين أوقية ، والأوقية اثنان وأربعون مثقالا ( ليصدوا عن سبيل الله )