تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطاياكم سنزيد المحسنين . فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون . واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم ،
شرح
باختلاف العبارتين إذا لم يكن هناك تناقض ، ولا تناقض بين قوله - اسكنوا هذه القرية وكلوا منها - وبين قوله - فكلوا - لأنهم إذا سكنوا القرية فتسببت سكناهم للأكل منها ، فقد جمعوا في الوجود بين سكناها والأكل منها ، وسواء قدموا الحطة على دخول الباب أو أخروها فهم جامعون في الإيجاد بينهما وترك ذكر الرغد لا يناقض إثباته وقوله ( نغفر لكم خطاياكم سنزيد المحسنين ) موعد بشيئين بالغفران وبالزيادة وطرح الواو لا يخل بذلك لأنه استئناف مرتب على تقدير قول القائل : وماذا بعد الغفران ؟ فقيل له : سنزيد المحسنين . وكذلك زيادة منهم زيادة بيان . وأرسلنا : وأنزلنا ، و ( يظلمون ) ويفسقون من واد واحد . وقرئ يغفر لكم خطيئاتكم وتغفر لكم خطاياكم وخطيئاتكم وخطيئتكم على البناء للمفعول ( وسلهم ) وسل اليهود ، وقرئ واسألهم ، وهذا السؤال معناه التقرير والتقريع بقديم كفرهم وتجاوزهم حدود الله ، والإعلام بأن هذا من علومهم التي لا تعلم إلا بكتاب أو وحي ، فإذا أعلمهم به من لم يقرأ كتابهم علم أنه من جهة الوحي ، ونظيره همزة الاستفهام التي يراد بها التقرير في قولك : أعدوتم في السبت . والقرية أيلة ، وقيل مدين ، وقيل طبرية ، والعرب تسمي المدينة قرية . وعن أبي عمرو بن العلاء : ما رأيت قرويين أفصح من الحسن والحجاج : يعني رجلين من أهل المدن ( حاضرة البحر ) قريبة منه راكبة لشاطئه ( إذا يعدون في السبت ) إذ يتجاوزون حد الله فيه وهو اصطيادهم في يوم السبت وقد نهوا عنه . وقرئ يعدون بمعنى يعتدون ، أدغمت التاء في الدال ونقلت حركتها إلى العين ، ويعدون من الإعداد ، وكانوا يعدون آلات الصيد يوم السبت وهم مأمورون بأن لا يشتغلوا فيه بغير العبادة . والسبت مصدر سبتت اليهود : إذا عظمت سبتها بترك الصيد والاشتغال بالتعبد ، فمعناه : يعدون في تعظيم هذا اليوم ، وكذلك قوله ( يوم سبتهم ) معناه يوم تعظيمهم أمر السبت ، ويدل عليه قوله ( ويوم لا يسبتون ) وقراءة عمر بن عبد العزيز : يوم إسباتهم . وقرئ لا يسبتون بضم الباء ، وقرأ على : لا يسبتون بضم الياء من أسبتوا ، وعن الحسن : لا يسبتون على البناء للمفعول : أي لا يدار عليهم السبت ولا يؤمرون بأن يسبتوا . فإن قلت : إذ يعدون وإذ تأتيهم ما محلهما من الإعراب ؟ قلت : أما الأول فمجرور بدل من القرية ، والمراد بالقرية أهلها كأنه قيل : واسألهم عن أهل القرية وقت عدوانهم في السبت ، وهو من بدل الاشتمال ، ويجوز أن يكون منصوبا بكانت أو بحاضرة ، وأما الثاني فمنصوب بيعدون ، ويجوز أن يكون بدلا بعد بدل . والحيتان السمك ، وأكثر ما تستعمل العرب الحوت في معنى السمكة ( شرعا ) ظاهرة على وجه الماء ، وعن الحسن تشرع على أبوابهم كأنها الكباش البيض ، يقال شرع علينا
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 125 | الزمخشري