إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما . ومن
يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا . إن تجتنبوا
كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما . ولا تتمنوا
شرح
والغصب والقمار وعقود الربا ( إلا أن تكون تجارة ) إلا أن تقع تجارة . وقرئ تجارة على إلا أن تكون التجارة
تجارة ( عن تراض منكم ) والاستثناء منقطع ، معناه : ولكن اقصدوا كون تجارة عن تراض منكم ، أو ولكن كون
تجارة عن تراض غير منهي عنه . وقوله عن تراض صفة لتجارة : أي تجارة صادرة عن تراض ، وخص التجارة
بالذكر لان أسباب الرزق أكثرها متعلق بها - والتراضي رضا المتبايعين بما تعاقدا عليه في حال البيع وقت الايجاب
والقبول ، وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله ، وعند الشافعي رحمه الله تفرقهما عن مجلس العقد متراضيين ( ولا تقتلوا
أنفسكم ) من كان من جنسكم من المؤمنين . وعن الحسن لا تقتلوا إخوانكم ، أو لا يقتل الرجل نفسه كما يفعل بعض
الجهلة . وعن عمرو بن العاص أنه تأوله في التيمم لخوف البرد فلم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقرأ
علي رضي الله عنه ولا تقتلوا بالتشديد ( إن الله كان بكم رحيما ) ما نهاكم عما يضركم إلا لرحمته عليكم ، وقيل
معناه : أنه أمر بني إسرائيل بقتلهم أنفسهم ليكون توبة لهم وتمحيصا لخطاياهم ، وكان بكم يا أمة محمد رحيما حيث
لم يكلفكم تلك التكاليف الصعبة ( ذلك ) إشارة إلى القتل : أي ومن يقدم على قتل الأنفس ( عدوانا وظلما )
لا خطأ ولا اقتصاصا : وقرئ عدوانا بالكسر . ونصليه بتخفيف اللام وتشديدها ونصليه بفتح النون من صلاه
يصليه ومنه شاة مصلية بالياء والضمير لله تعالى أو لذلك لكونه سببا للصلي ( نارا ) أي نارا مخصوصة
شديدة العذاب ( وكان ذلك على الله يسيرا ) لان الحكمة تدعو إليه ولا صارف عنه من ظلم أو نحوه ( كبائر ما تنهون
عنه ) وقرئ كبير ما تنهون عنه : أي ما كبر من المعاصي التي ينهاكم الله عنها والرسول ( نكفر عنكم سيئاتكم )
نمط ما تستحقونه من العقاب في كل وقت على صغائركم ونجعلها كأن لم تكن لزيادة الثواب المستحق على اجتنابكم
الكبائر وصبركم عنها على عقاب السيئات ، والكبيرة والصغيرة إنما وصفتا بالكبر والصغر بإضافتهما إما إلى طاعة
أو معصية أو ثواب فاعلهما ، والتكفير : إماطة المستحق من العقاب بثواب أزيد أو بتوبة ، والاحباط نقيضه وهو
إماطة الثواب المستحق بعقاب أزيد أو بندم على الطاعة . وعن علي رضي الله عنه ( الكبائر سبع : الشرك ،
والقتل ، والقذف ، والزنا ، وأكل مال اليتيم ، والفرار من الزحف ، والتعرب بعد الهجرة ) وزاد :
ابن عمر ( السحر ، واستحلال البيت الحرام ) وعن ابن عباس أن رجلا قال له : الكبائر سبع ، فقال
هي إلى سبعمائة أقرب ، لأنه لا صغيرة مع الاصرار ولا كبيرة مع الاستغفار . وروي إلى سبعين . وقرئ يكفر
بالياء . ومدخلا بضم الميم وفتحها بمعنى المكان والمصدر فيهما ( ولا تتمنوا ) نهوا عن التحاسد وعن تمني ما فضل
الله به بعض الناس على بعض من الجاه والمال ، لان ذلك التفضيل قسمة من الله صادرة عن حكمة وتدبير وعلم
بأحوال العباد وبما يصلح المقسوم له من بسط في الرزق أو قبض - ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض -
فعلى كل أحد أن يرضى بما قسم له علما بأن ما قسم له هو مصلحته ، ولو كان خلافه لكان مفسدة له ، ولا يحسد