تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 520

مساهمون:

ص٥٢٠
من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان
شرح
قال : لقد زادني حبا لنفسي أنني * بغيض إلى كل امرئ غير طائل ومنه قولهم : ما حلا منه بطائل : أي بشئ يعتد به مما له فضل وخطر ومنه الطول في الجسم لأنه زيادة فيه ، كما أن القصر قصور فيه ونقصان . والمعنى : ومن لم يستطع زيادة في المال وسعة يبلغ بها نكاح الحرة فلينكح أمة . قال ابن عباس : من ملك ثلاثمائة درهم فقد وجب عليه الحج وحرم عليه نكاح الإماء وهو الظاهر ، وعليه مذهب الشافعي رحمه الله . وأما أبو حنيفة رحمه فيقول : الغني والفقير سواء في جواز نكاح الأمة ، ويفسر الآية بأن من لم يملك فراش الحرة على أن النكاح هو الوطء فله أن ينكح أمة . وفي رواية عن ابن عباس أنه قال : ومما وسع الله على هذه الأمة نكاح الأمة واليهودية والنصرانية وإن كان موسرا ، وكذلك قوله ( من فتياتكم المؤمنات ) الظاهر أنه لا يجوز نكاح الأمة الكتابية وهو مذهب أهل الحجاز . وعند أهل العراق يجوز نكاحها ، ونكاح الأمة المؤمنة أفضل ، فحملوه على الفضل لا على الوجوب . واستشهدوا على أن الايمان ليس بشرط يوصف الحرائر به مع علمنا أنه ليس بشرط فيهن على الاتفاق ولكنه أفضل . فإن قلت : لم كان نكاح الأمة منحطا عن نكاح الحرة ؟ قلت : لما فيه من اتباع الولد الام في الرق ولثبوت حق المولى فيها وفي استخدامها ولأنها ممتهنة مبتذلة خراجة ولاجة ، وذلك كله نقصان راجع إلى الناكح ومهانة . والعزة من صفات المؤمنين ، وقوله ( من فتياتكم ) أي من فتيات المسلمين لا من فتيات غيركم وهم المخالفون في الدين . فإن قلت : فما معنى قوله ( والله أعلم بإيمانكم ) قلت : معناه أن الله أعلم بتفاضل ما بينكم وبين أرقائكم في الايمان ورجحانه ونقصانه فيهم وفيكم ، وربما كان إيمان الأمة أرجح من إيمان الحرة ، والمرأة أفضل في الايمان من الرجل ، وحق المؤمنين أن لا يعتبروا إلا فضل الايمان لا فضل الأحساب والأنساب ، وهذا تأنيس بنكاح الإماء وترك الاستنكاف منه ( بعضكم من بعض ) أي أنتم وأرقاؤكم متواصلون متناسبون لاشتراككم في الايمان لا يفضل حر عبدا إلا برجحان فيه ( بإذن أهلهن ) اشتراط لاذن الموالي في نكاحهن ، ويحتج به لقول أبي حنيفة : إن لهن أن يباشرن العقد بأنفسهن لأنه اعتبر إذن الموالي لا عقدهم ( وآتوهن أجورهن بالمعروف ) وأدوا إليهن مهورهن بغير مطل وضرار وإحواج إلى الاقتضاء واللز . فإن قلت : الموالي هم ملاك مهورهن لا هن والواجب أداؤها إليهم لا إليهن ، فلم قيل وآتوهن ؟ قلت : لأنهن وما في أيديهن مال الموالي فكان أداؤها إليهن أداء إلى الموالي أو على أن أصله فآتوا مواليهن فحذف المضاف ( محصنات ) عفائف . والأخدان : الأخلاء في السر ، كأنه قيل : غير مجاهرات بالسفاح ولا مسرات له