فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا . وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا
حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما
شرح
تفسير الثقلاء . وقالوا : يجب أن يكون ضربا غير مبرح لا يجرحها ولا يكسر لها عظما ويجتنب الوجه . وعن النبي
صلى الله عليه وسلم ( علق سوطك حيث يراه أهلك ) وعن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنه : كنت
رابعة أربع نسوة عند الزبير بن العوام ، فإذا غضب على إحدانا ضربها بعود المشجب حتى يكسره عليها . ويروى
عن الزبير أبيات منها * ولولا بنوها حولها لخبطتها * ( فلا تبغوا عليهن سبيلا ) فأزيلوا عنهن التعرض بالأذى
والتوبيخ والتجني وتوبوا عليهن واجعلوا ما كان منهم كأن لم يكن بعد رجوعهن إلى الطاعة والانقياد وترك
النشوز ( إن الله كان عليا كبيرا ) فاحذروه واعلموا أن قدرته عليكم أعظم من قدرتكم على من تحت أيديكم ،
ويروى ( أن أبا مسعود الأنصاري رفع سوطه ليضرب غلاما له ، فبصر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فصاح
به : أبا مسعود لله أقدر عليك منك عليه ، فرمى بالسوط وأعتق الغلام ) أو إن الله كان عليا كبيرا وإنكم تعصوه
على علو شأنه وكبرياء سلطانه ثم تتوبون فيتوب عليكم ، فأنتم أحق بالعفو عمن يجني عليكم إذا رجع ( شقاق بينهما )
أصله شقاقا بينهما فأضيف الشقاق إلى الظرف على طريق الاتساع كقوله - بل مكر الليل والنهار - وأصله بل مكر
في الليل والنهار ، أو على أن جعل البين مشاقا والليل والنهار ماكرين على قولهم نهارك صائم ، والضمير للزوجين
ولم يجر ذكرهما لجري ذكر ما يدل عليهما وهو الرجال والنساء ( حكما من أهله ) رجلا مقنعا رضيا يصلح لحكومة
العدل والاصلاح بينهما ، وإنما كان بعث الحكمين من أهلهما لان الأقارب أعرف ببواطن الأحوال وأطلب
للصلاح ، وإنما تسكن إليهم نفوس الزوجين ويبرز إليهم ما في ضمائرهما من الحب والبغض وإرادة الصحبة والفرقة
وموجبات ذلك ومقتضياته وما يزويانه عن الأجانب ولا يحبان أن يطلعوا عليه . فإن قلت : فهل يليان الجمع
بينهما والتفريق إن رأيا ذلك ؟ قلت : قد اختلف فيه ، فقيل : ليس إليهما ذلك إلا بإذن الزوجين ، وقيل ذلك
إليهما وما جعلا حكمين إلا واليهما بناء الامر على ما يقتضيه اجتهادهما . وعن عبيدة السلماني شهدت عليا رضي الله
عنه وقد جاءته امرأة وزوجها ومع كل واحد منهما فئام من الناس ، فأخرج هؤلاء حكما وهؤلاء حكما فقال
علي رضي الله عنه للحكمين : أتدريان ما عليكما ؟ إن عليكما إن رأيتما أن تفرقا فرقتما وإن رأيتما أن تجمعا جمعتما ، فقال
الزوج . أما الفرقة فلا ، فقال علي : كذب ، والله لا تبرح حتى ترضى بكتاب الله لك وعليك ، فقالت المرأة :
رضيت بكتاب الله لي وعلي . وعن الحسن يجمعان ولا يفرقان . وعن الشعبي ما قضى الحكمان جاز ، والألف في
( إن يريدا إصلاحا ) للحكمين وفي ( يوفق الله بينهما ) للزوجين : أي إن قصدا إصلاح ذات البين وكانت نيتهما
صحيحة وقلوبهما ناصحة لوجه الله بورك في وساطتهما وأوقع الله بطيب نفسيهما وحسن سعيهما بين الزوجين الوفاق
والألفة وألقى في نفوسهما المودة والرحمة . وقيل الضميران للحكمين : أي إن قصدا إصلاح ذات البين والنصيحة
للزوجين يوفق الله بينهما ، فيتفقان على الكلمة الواحدة ويتساندان في طلب الوفاق حتى يحصل الغرض ويتم المراد .
وقيل الضميران للزوجين : أي إن يريدا إصلاح ما بينهما وطلبا الخير وأن يزول عنهما الشقاق يطرح الله بينهما الألفة