تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 419

مساهمون:

ص٤١٩
وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب . فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم .
شرح
الإسلام هو العدل والتوحيد ، فترى القراءات كلها متعاضدة على ذلك . وقرأ عبد الله أن لا إله إلا هو ، وقرأ أبي إن الدين عند الله الإسلام ، وهي مقوية لقراءة من فتح الأولى وكسر الثانية ، وقرئ شهداء الله بالنصب على أنه حال من المذكورين قبله وبالرفع على هم شهداء الله . فإن قلت : فعلام عطف على هذه القراءة والملائكة وأولوا العلم ؟ قلت : على الضمير في شهداء وجاز لوقوع الفاصل بينهما . فإن قلت : لم كرر قوله لا إله إلا هو ؟ قلت : ذكره أولا للدلالة على اختصاصه بالوحدانية وأنه لا إله إلا تلك الذات المتميزة ، ثم ذكره ثانيا بعد ما قرن بإثبات الوحدانية إثبات العدل للدلالة على اختصاصه بالأمرين كأنه قال : لا إله إلا هذا الموصوف بالصفتين ، ولذلك قرن به قوله العزيز الحكيم لتضمنهما معنى الوحدانية والعدل ( الذين أوتوا الكتاب ) أهل الكتاب من اليهود والنصارى واختلافهم أنهم تركوا الإسلام وهو التوحيد والعدل ( من بعد ما جاءهم العلم ) أنه الحق الذي لا محيد عنه فثلثت النصارى وقالت اليهود عزير ابن الله ، وقالوا كنا أحق بأن تكون النبوة فينا من قريش لأنهم أميون ونحن أهل الكتاب وهذا تجويز لله ( بغيا بينهم ) أي ما كان ذلك الاختلاف وتظاهر هؤلاء بمذهب وهؤلاء بمذهب إلا حسدا بينهم وطلبا منهم للرياسة وحظوظ الدنيا واستتباع كل فريق ناسا يطئون أعقابهم لا شبهة في الإسلام . وقيل هو اختلافهم في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم حيث آمن به بعض وكفر به بعض . وقيل هو اختلافهم في الإيمان بالأنبياء ، فمنهم من آمن بموسى ومنهم من آمن بعيسى . وقيل هو اليهود ، واختلافهم أن موسى عليه السلام حين احتضر استودع التوراة سبعين حبرا من بني إسرائيل وجعلهم أمناء عليها واستخلف يوشع ، فما مضى قرن بعد قرن اختلف أبناء السبعين بعد ما جاءهم علم التوراة بغيا بينهم وتحاسدا على حظوظ الدنيا والرياسة . وقيل هم النصارى واختلافهم في أمر عيسى بعد ما جاءهم العلم أنه عبد الله ورسوله ( فإن حاجوك ) فإن جادلوك في الدين ( فقل أسلمت وجهي لله ) أي أخلصت نفسي وجملتي لله وحده : لم أجعل فيها لغيره شريكا بأن أعبده وأدعوه إلها معه ، يعني أن ديني دين التوحيد وهو الدين القيم الذي ثبتت عندكم صحته كما ثبت عندي وما جئت بشئ بديع حتى تجادلوني فيه ، ونحوه - قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا - فهو دفع للمحاجة بأن ما هو عليه ومن معه من المؤمنين هو حق اليقين الذي لا لبس فيها فما معنى المحاجة فيه ( ومن اتبعن ) عطف على التاء في أسلمت وحسن للفاصل ، ويجوز أن تكون الواو بمعنى مع فيكون مفعولا معه ( وقل للذين أوتوا الكتاب ) من اليهود والنصارى ( والأميين ) والذين لا كتاب لهم من مشركي العرب ( أأسلمتم ) يعني أنه قد أتاكم من البينات ما يوجب الإسلام ويقتضي حصوله لا محالة ، فهل أسلمتم أم أنتم بعد على كفركم ، وهذا كقولك لمن لخصت له المسألة ولم تبق من طرق البيان والكشف طريقا إلا سلكته : هل فهمتها لا أم لك ، ومنه قوله عز وعلا - فهل أنتم منتهون - بعد ما ذكر الصوارف عن الخمر والميسر ، وفي هذا استقصار وتعبير بالمعاندة وقلة الإنصاف لأن المنصف إذا تجلت له الحجة لم يتوقف إذعانه للحق وللمعاند بعد تجلي الحجة ما يضرب