خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد . الذين يقولون ربنا
إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار . الصابرين والصادقين والقانتين
والمنفقين والمستغفرين بالأسحار . شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم
قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم .
شرح
البدل من خير ( والله بصير بالعباد ) يثيب ويعاقب على الاستحقاق ، أو بصير بالذين اتقوا وبأحوالهم فلذلك أعد
لهم الجنات ( الذين يقولون ) نصب على المدح أو رفع ، ويجوز الجر صفة للمتقين أو للعباد . والواو المتوسطة بين
الصفات للدلالة على كمالهم في كل واحدة منها ، وقد مر الكلام في ذلك . وخص الأسحار لأنهم كانوا يقدمون
قيام الليل فيحسن طلب الحاجة بعده - إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه - وعن الحسن كانوا يصلون
في أول الليل حتى إذا كان السحر أخذوا في الدعاء والاستغفار هذا نهارهم وهذا ليلهم . شبهت دلالته على وحدانيته
بأفعاله الخاصة التي لا يقدر عليها غيره وبما أوحى من آياته الناطقة بالتوحيد كسورة الإخلاص وآية الكرسي
وغيرهما بشهادة الشاهد في البيان والكشف ، وكذلك إقرار الملائكة وأولي العلم بذلك واحتجاجهم عليه ( قائما
بالقسط ) مقيما للعدل فيما يقسم من الأرزاق والآجال ويثيب ويعاقب وما يأمر به عباده من إنصاف بعضهم لبعض
والعمل على السوية فيما بينهم ، وانتصابه على أنه حال مؤكدة منه كقوله : وهو الحق مصدقا . فإن قلت : لم جاز
إفراده بنصب الحال دون المعطوفين عليه ، ولو قلت جاءني زيد وعمرو راكبا لم يجز . قلت : إنما جاز لهذا لعدم
الإلباس كما جاء في قوله - ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة - إن انتصبت نافلة حالا عن يعقوب ، ولو قلت : جاءني
زيد وهند راكبا جاز لتميزه بالذكورة أو على المدح . فإن قلت : أليس من حق المنتصب على المدح أن يكون معرفة
كقولك الحمد لله الحميد " إنا معشر الأنبياء لا نورث " * إنا بني نهشل لا ندعى لأب * قلت : قد جاء نكرة
كما جاء معرفة وأنشد سيبويه فيما جاء منه نكرة قول الهذلي :
ويأوي إلى نسوة عطل * وشعثا مراضيع مثل السعالي
فإن قلت : هل يجوز أن يكون صفة للمنفي كأنه قيل لا إله قائما بالقسط إلا هو . قلت : لا يبعد فقد رأيناهم يتسعون
في الفصل بين الصفة والموصوف . فإن قلت : قد جعلته حالا من فاعل شهد فهل يصح أن ينتصب حالا عن هو
في لا إله إلا هو ؟ قلت : نعم لأنها حال مؤكدة ، والحال المؤكدة لا تستدعي أن يكون في الجملة التي هي زيادة
في فائدتها عامل فيها كقولك : أنا عبد الله شجاعا ، وكذلك لو قلت : لا رجل إلا عبد الله شجاعا وهو أوجه من
انتصابه عن فاعل شهد وكذلك انتصابه على المدح . فإن قلت : هل دخل قيامه بالقسط في حكم شهادة الله والملائكة
وأولي العلم كما دخلت الوحدانية . قلت : نعم إذا جعلته حالا من هو أو نصبا على المدح منه أو صفة للمنفي كأنه
قيل : شهد الله والملائكة وأولوا العلم أنه لا إله إلا هو وأنه قائم بالقسط ، وقرأ عبد الله القائم بالقسط على أنه بدل
من هو أو خبر مبتدأ محذوف ، وقرأ أبو حنيفة قيما بالقسط ( العزيز الحكيم ) صفتان مقررتان لما وصف به ذاته
من الوحدانية والعدل : يعني أنه العزيز الذي لا يغالبه إله آخر ، الحكيم الذي لا يعدل عن العدل في أفعاله . فإن