وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم انك
إذا لمن الظالمين . الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وان
فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون : الحق من ربك
شرح
نرجو أن يكون صاحبنا الذي ننتظره وطمعوا في رجوعه إلى قبلتهم ، وقرى بتابع قبلتهم عل الإضافة ( وما بعضهم
بتابع قبلة بعض ) يعنى أنهم مع اتفاقهم لي مخالفتك مختلفون في شان القبلة لا يرجى اتفاقهم كما لا ترجى موافقتهم
لك ، وذلك أن اليهود تستقبل بيت المقدس والنصارى مطلع الشمس ، أخبر عز وجل عن تصلب كل حزب فيما
هو فيه وثباته عليه ، فالمحق منهم لا يزل عن مذهبه لتمسكه بالبرهان والمبطل لا يقلع عن باطله لشدة شكيمته في
عناده وقوله ( ولئن اتبعت أهواءهم ) بع الافصاح عن حقيقة حاله المعلومة عنده في قوله - وما أنت بتابع
قبلتهم - كلام وارد على سبيل الفرض ، والتقدير بمعين : ولئن اتبعتهم مثلا بعد وضوح البرهان والإحاطة بحقيقة
الامر ( انك إذا لمن الظالمين ) المرتكبين الظلم الفاحش ، وفى ذلك لطف للسامعين وزيادة تحذير واستفظاع لحال من
يترك الدليل بعد إنارته ويتبع الهوى وتهييج وإلهاب للثبات على الحق . فإن قلت : كيف قال وما أنت بتابع قبلتهم
ولم قبلتان ، لليهود قبلة وللنصارى قبلة ؟ قلت : كلتا القبلتين باطلة مخالفة لقبلة الحق ، فكانتا بحكم الاتحاد في
البطلان قبلة واحدة ( يعرفونه ) يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم معرفة جلية يميزون بينه وبين غيره بالوصف
المعين المشخص ( كما يعرفون أبناءهم ) لا يشتبه عليه أبناؤهم وأبناء غيرهم ، وعن مر رضي الله عنه أنه سال
عبد الله بن سلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أنا اعلم به منى أبا بني . قال ولم ؟ قال : لأني لست أشك
في محمد أنه نبي فاما ولدى فلعل والدته خانت فقبل عمر رأسه . وجاز الاضمار وان لم يسبق له ذكر ، لان
الكلام يدل عليه ولا يلتبس على السامع ومثل هذا الاضمار فيه تفخيم واشعار بأنه لشهرته وكونه علما معلوم بغير
إعلام ، وقيل الضمير للعلم أو القرآن أو تحويل القبلة ، وقوله ( كما يعرفون أبناءهم ) يشهد للأول وينصره الحديث
عن عبد الله بن سلام . فإن قلت : لم اختص الأبناء ؟ قلت : لان الذكور أشهر وأعرف وهم لصحبة الاباء الزم
وبقلوبهم ألصق ، وقال ( فريقا منهم ) استثناء لمن آمن منهم أو لجهالهم الذين قال الله تعالى فيهم - ومنهم أميون
لا يعلمون الكتاب - ( الحق من ربك ) يحتمل أن يكون الحق خبر مبتدأ محذوف : أي هو الحق ، أو مبتدأ خبره من
ربك ، وفيه وجهان : أن تكون اللام للعهد والإشارة إلى الحق الذي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إلى
الحق الذي في قوله ليكتمون الحق : أي هذا الذي يكتمونه هو الحق من ربك ، وأن تكون للجنس على معنى
الحق من الله لا من غيره : يعنى أن الحق ما ثبت أنه من الله كالذي أنت عليه ، وما لم يثبت أنه من الله كالذي عليه