ويكون الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع
الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة
شرح
لا عليهم . قلت : لما كان الشهيد كالرقيب والمهيمن على المشهود له جئ بكلمة الاستعلاء ، ومنه قوله تعالى - والله
على كل شئ شهيد - كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد - وقيل " لتكونوا شهداء على الناس "
في الدنيا فيما لا يصح إلا بشهادة العدول الأخيار ( ويكون الرسول عليكم شهيدا ) يزكيكم ويعلم بعدالتكم . فإن قلت :
لم أخرت صلة الشهادة أولا وقدمت آخرا ؟ قلت : لأن الغرض في الأول إثبات شهادتهم على الأمم ، وفى الآخر
اختصاصهم بكون الرسول شهيدا عليهم ( التي كنت عليها ) ليست بصفة للقبلة إنما هي ثاني مفعولي جعل ، يريد :
وما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها وهى الكعبة ، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلى بمكة إلى الكعبة ،
ثم أمر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس بعد الهجرة تألفا لليهود ثم حول إلى الكعبة ، فيقول : وما جعلنا القبلة التي
يجب أن تستقبلها الجهة التي كنت عليها أولا بمكة ، يعنى وما رددناك إليها إلا امتحانا للناس وابتلاء ( لنعلم ) الثابت
على الإسلام الصادق فيه ممن هو على حرف ينكص ( على عقبيه ) لقلقه فيرتد كقوله - وما جعلنا عدتهم إلا فتنة
لذين كفروا - الآية ، ويجوز أن يكون بيانا للحكمة في جعل بيت المقدس قبلته ، يعنى أن أصل أمرك أن تستقبل
الكعبة وأن استقبالك بيت المقدس كان أمرا عارضا لغرض ، وإنما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها قبل وقتك
هذا وهى بيت المقدس لنمتحن الناس وننظر من يتبع الرسول منهم ومن لا يتبعه وينفر عنه . وعن ابن عباس رضي الله عنه
: كانت قبلته بمكة بيت المقدس إلا أنه كان يجعل الكعبة بينه وبينه . فإن قلت : كيف قال لنعلم ولم يزل
عالما بذلك ؟ قلت : معناه لنعلمه علما يتعلق به الجزاء وهو أن يعلمه موجودا حاصلا ، ونحوه - ولما يعلم الله الذين
جاهدوا منكم ويعلم الصابرين - وقيل ليعلم رسول الله والمؤمنون وإنما أسند علمهم إلى ذاته لأنهم خواصه وأهل
الزلفى عنده ، وقيل معناه : لنميز التابع من الناكص كما قال - ليميز الله الخبيث من الطيب - فوضع العلم موضع
التمييز لأن العلم به يقع التمييز له ( وإن كانت لكبيرة ) هي إن المخففة التي تلزمها اللام الفارقة ، والضمير في كانت لما