فلا تكونن من المترين . ولك . وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أينما تكونوا
يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شئ قدير . ومن حيث خرجت فول وجهك
شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما يعملون . ومن حيث
خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا
يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم
شرح
أهل الكتاب فهو الباطل . فإن قلت : إذا جعلت الحق خبر مبتدأ فما محل من ربك ؟ قلت : يجوز أن يكون خبرا
بعد خبر وأن يكون حالا ، وقرأ علي رضي الله عنه الحق من ربك على الابدال من الأول : أي يكتمون الحق
الحق من ربك ( فلا تكونن من الممترين ) الشاكين في كتمانهم الحق مع علمهم أو في أنه من ربك ( ولكل ) من
أهل الأديان المختلفة ( وجهة ) قبلة ، وفى قراءة أبى ولكل قبلة ( هو موليها ) وجهة محذف أحد المفعولين ، وقيل
هو لله تعالى : أي الله موليها إياه ، وقرى ولكل وجهة على الإضافة ، والمعنى : ولك وجهة الله موليها ، فزيدت
اللام لتقدم المفعول كقولك : لزيد ضربت ، ولزيده أبوه ضاربه . وقرأ ابن عامر هو مولاها : أي هو مولى تلك
الجهة قد وليها ، والمعنى : لكل أمة قبلة تتوجه إليها منكم ومن غيركم ( فاستبقوا ) أنتم ( الخيرات ) واسبقوا إليها
غيركم من أمر القبلة وغيره ، ومعنى آخر وهو أن يراد : ولكل منكم يا أمة محمد وجهة : أي جهة يصلى إليها
جنوبية أو شمالية أو شرقية أو غريبة ( فاستبقوا الخيرات أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا ) للجزاء من موافق ومخالف
لا تعجزونه ، ويجوز أن يكون المعنى فاستبقرا الفاضلات من الجهات وهى الجهات المسامتة للكعبة وإن اختلفت
أينما تكنوا من الجهات المختلفة يأت بكم الله جميعا ، يجمعكم ويجعل صلواتكم كأنها إلى جهة واحدة وكأنكم
تصلون حاضري المسجد الحرام ( ومن حيث خرجت ) أي ومن أي بلد خرجت للسفر ( فول وجهك شطر
المسجد الحرام ) إذا صليت ( وإنه ) وإن هذا المأمور به وقرى ( يعملون ) بالتاء والياء ، وهذا لتأكيد التكرير
أمر القبلة وتشديدة ، لان النسخ من مظان الفتنة والشبهة وتسويل الشيطان والحاجة إلى التفصلة بينه وبين البداء ،
فكرر عليهم ليثبتوا ويعزموا ويجدوا ، ولأنه نيط بكل واحد ما لم ينط بالآخر فاختلفت فوائدها ( إلا الذين
ظلموا ) استثناء من الناس ، ومعناه : لئلا يكون حجة لاحد من اليهود إلا للمعاندين منهم القائلين ما ترك قبلتنا إلى
الكعبة إلا ميلا إلى دين قومه وحبا لبلده ولو كان على الحق للزم قبلة الأنبياء . فإن قلت : أي حجة كانت تكون
للمصفين منهم لو لم يحول حتى احترز من تلك الحجة ولم يبال بحجة المعاندين ؟ قلت : كانوا يقولون : ماله
لا يحول إلى قبلة أبيه إبراهيم كما هو مذكور في نعته في التوراة . فإن قلت : كيف أطلق اسم الحجة على قول
المعاندين . قلت : لأنهم يسوقونه سياق الحجة ، ويجوز أن يكون المعنى : لئلا يكون للعرب عليكم حجة واعتراض
في ترككم التوجه إلى الكعبة التي هي قبلة إبراهيم وإسماعيل أبى العرب ، إلا الذين ظلموا منهم وهم أهل مكة حين
يقولون : بدا له فرجع إلى قبلة آبائه ويوشك أن يرجع إلى دينهم . وقرأ زيد بن علي رضي الله عنهما - إلا الذين
ظلموا منهم - على أن ألا للتنبيه ووقف على حجة ثم استأنف منبها ( فلا تخشوهم ) فلا تخافوا مطاعنهم في قبلكم