بذلك جهة مفسدة تقتضي قبحه عقلا وحرمته شرعا ، وظاهر قوله : " رجل
قضى بالحق وهو لا يعلم " ( 1 ) حرمة القضاء واستحقاق العقوبة عليه ،
فيدل على حرمة نفس العمل .
الجهة الثالثة : هل صحة التعبد بالأمارة والالتزام بمؤداها على أنه
حكم الله تعالى يلازم حجيتها بحيث يستكشف من عدم جواز التعبد عدم
الحجية ؟ أو أن الحجية من اللوازم الأعم ؟ فقد تكون الأمارة حجة مع عدم جواز
التعبد بها وإسنادها إلى الشارع .
ظاهر كلام المحقق الخراساني ( قدس سره هو الثاني ، بل صريح
كلامه ذلك ، حيث قال : وأما صحة الالتزام بما أدى إليه من الأحكام
وصحة نسبته إليه تعالى فليسا من آثارها ، ضرورة أن حجية الظن عقلا على
تقرير الحكومة في حال الانسداد لا يوجب صحتهما . . الخ .
ولا يخفى ما فيه ، فان معنى جعل الأمارة حجة هو كونها وسطا
لإثبات متعلقها وإحراز مؤداها ( 2 ) فيكون حالها حال العلم ، وهل يمكن
أن يقال : إنه لا يصح التعبد بمتعلق العلم ولا يجوز إسناده إلى الشارع إذا كان
المتعلق من الأحكام الشرعية ؟ والأمارة بعد جعلها حجة تكون كالعلم . وما
هامش
( 1 ) الوسائل : الباب 4 من أبواب صفات القاضي الحديث 6
( 2 ) أقول : قد تقدم سابقا أن مجرد جعل الوسطية تنزيلا لا يفي بالمنجزية ، بل المنجز هو الأمر الطريقي
المستكشف من هذا الجعل الذي هو المصحح للتنزيل ، ومن المعلوم : أن منجزيته غير ملازم لوجوب التعبد بمؤداه ،
كيف ! وهذا الأمر المنجز موجود في ايجاب الاحتياط في الشبهات البدوية ، مع أنه لا يجوز التعبد المزبور فيها ،
وهكذا لو فرض ورود الأمر بالعمل بالظن الفلاني بلا لسان تنزيل في البين ، إذ مثل هذا الأمر أيضا منشأ حجيته ،
مع أنه لا يجوز التعبد في مثله ، كما أن الظن على الحكومة في باب الانسداد عند من لا يرى العلم الإجمالي مؤثرا - إما
لذاته أو لشبهة انحلاله - لابد من الالتزام بمثبتية الظن وأن مسقطيته إنما هو على مسلك التبعيض في الاحتياط ،
وهو غير حجية الظن ومنجزيته في حال الانسداد كما لا يخفى .