تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التذكرة الحمدونية — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
فسقت الحديث من أوله إلى آخره ، حتى انتهيت إلى ذكر الفاكهة والطعام والغسل والطهور والبخور والصلاة ، وما حدثت به نفسي من امتناعه ، والغضب يظهر في وجهه ويتزايد ، حتى انتهيت إلى فراغ الأموي من الصلاة والتفاته إليّ ومسألته إياي عن سبب قدومي ، ودفعي الكتاب إليه ، ومبادرته إلى أمر ولده وأسبابه وأهله وأصحابه وخدمه ألا يتبعه أحد منهم ، وصرفه إياهم ، ومدّ رجليه حتى قيدته . فما زال وجه الرشيد يسفر ، فلما انتهيت إلى ما خاطبني به عند توبيخي إياه ، فقال : صدق واللَّه ! ما هذا إلا رجل محسود على النعمة مكذوب عليه ؛ ولعمري لقد أزعجناه وآذيناه وأرعبناه وأرعبنا أهله ، فبادر بنزع أقياده عنه ، وأتني به . فخرجت فنزعت قيوده وأدخلته إلى الرشيد . فما هو أن رآه حتى رأيت الحياء يجول في وجه الرشيد . فدنا الأموي فسلَّم بالخلافة ووقف ، فردّ عليه السلام ردا جميلا ، وأمره بالجلوس فجلس . وأقبل عليه الرشيد يسائله عن حاله ، ثم قال له : بلغنا عنك فضل هيئة ، وأمور أحببنا أن نراك معها ، ونسمع كلامك فاذكر حاجتك ، فأجاب الأموي جوابا جميلا وشكر ودعا وقال : أما حاجتي فلا حاجة لي إلا واحدة . وقال : مقضية فما هي ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، تردّني إلى بلدي وأهلي وولدي ، قال : نحن نفعل ذلك ، ولكن سل ما تحتاج إليه من صلاح جاهك ومعاشك ، فمثلك لا يخلو أن يحتاج إلى شيء من هذا . فقال : عمال أمير المؤمنين منصفون ، وقد استغنيت بعدله عن مسألة شيء من أمواله ، وأموري منتظمة ، وأحوالي مستقيمة ، وكذلك أمور أهل بلدي بالعدل الشامل في ظل دولة أمير المؤمنين ، فلا استغنم ماله . فقال له الرشيد : انصرف محفوظا إلى بلدك ، واكتب إلينا بأمر إن عرض لك . فودّعه الأمويّ . فلما ولَّى خارجا قال لي الرشيد : يا منارة احمله من وقته ، فسر به راجعا كما سيّرته إلينا حتى إذا أوصلته إلى المجلس الذي أخذته منه فدعه فيه وانصرف . ففعلت ذلك . 91 - حدث أبو عبد اللَّه الحسين بن محمد السمري كاتب ديوان البصرة قال : وكان أبو محمد المهلبي في وزارته قد قبض عليّ بالبصرة ، وطالبني بما لا
التذكرة الحمدونية — صفحة 59 | ابن حمدون / احسان عبّاس و بكر عبّاس