تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التذكرة الحمدونية — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
كانوا وقوفا على رأسي . فقلت في نفسي هذا جبّار عنيد ، فإن امتنع عليّ من الشخوص فأنا ومن معي هالكون . فجزعت ولا سبيل إلى إعلام أمير البلد ، وإلى أن يلحقني أمير البلد لا أملك لنفسي دفع ضرر يريده بي ، وذاك أني استربت باستخفافه بي ، وتهاونه ودعائه لي باسمي ، ولا يفكر في امتناعي من الأكل ، ولا يسأل عما جئت له ، بل أكل مطمئنا . وأنا أفكر في ذلك إذ فرغ من طعامه وغسل يده ، ودعا ببخور فتبخّر ، وقام إلى الصلاة فصلَّى وطوّل ، وأكثر من الدعاء والابتهال ، ورأيت صلاته حسنة ، فلما انفتل من المحراب أقبل عليّ وقال : ما أقدمك يا منارة ؟ قلت : أمر لك من أمير المؤمنين . فأخرجت الكتاب ودفعته إليه ففضّه وقرأه ، فلما استتم قراءته دعا أولاده وحاشيته ، فاجتمع منهم خلق كثير ، فلم أشكّ إلا أنه يريد أن يوقع بي ، فلما تكاملوا ابتدأ فحلف أيمانا مغلظة ، فيها الطلاق والحج والصدقة والوقف والحبس ، إن اجتمع منهم اثنان في موضع واحد إلى أن ينكشف له أمر يعمل عليه . وقال : هذا كتاب أمير المؤمنين يأمرني بالمصير إلى بابه ، ولست أقيم بعد هذا ولا لحظة واحدة لأنظر في أمري مسارعة إلى أمره ؛ فاستوصوا بمن ورائي من الحرم ، وما بي حاجة إلى أن يصحبني غلام . هات أقيادك يا منارة . فدعوت بها وكانت في سفط ، وأحضرت حدادا ومدّ ساقيه فقيدته ، وأمرت غلماني حتى حصل في المحمل ، وركبت في الشقّ الآخر ، وسرت من وقتي لم ألق أمير البلد ولا غيره ، وسرت بالرجل ليس معه أحد إلى أن صرنا بظاهر دمشق ، فابتدأ يحدثني بانبساط حتى انتهينا إلى بستان حسن بالغوطة . فقال لي : أترى هذا ؟ قلت : نعم ، قال : إنه لي ، وفيه من غرائب الأشجار كيت وكيت ، ثم انتهى إلى آخر فيه مثل ذلك ، ثم انتهينا إلى قرى حسان سرية ، فأقبل يقول : هذا لي ، ويصف كل شيء من ذلك . فاشتدّ غيظي منه فقلت له : علمت أني شديد التعجب ، قال : ولم تعجب ؟ قلت : ألست تعلم أن أمير المؤمنين قد أهمّه أمرك حتى أرسل إليك من انتزعك من بين أهلك وولدك ومالك ، وأخرجك عن جميع