تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التذكرة الحمدونية — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
فاجتباهما الملك ونزلا منه بالمكان الأثير ، فحسدهما زهير بن جناب فقال : أيها الملك ، هما واللَّه عين لذي القرنين عليك - يعني المنذر الأكبر جدّ النعمان بن المنذر - وهما يكتبان إليه بعورتك وخلل ما يريان منك . قال : كلَّا . فلم يزل زهير به حتى أوغر صدره . وكان إذا ركب بعث إليهما ببعيرين يركبان معه ، فبعث إليهما بناقة واحدة ، فعرفا الشّرّ فلم يركب أحدهما وتوقّف ، فقال له الآخر : [ من الطويل ]
فإلَّا تجلَّلها يعالوك فوقها وكيف توقّى ظهر ما أنت راكبه
فركبها مع أخيه ومضى بهما فقتلا ، ثم إنّ الملك بحث عن أمرهما بعد ذلك فوجده باطلا ، فشتم زهيرا وطرده ، فانصرف إلى بلاد قومه . وقدم رزاح أبو الغلامين إلى الملك ، وكان شيخا مجرّبا عالما ، فأكرمه الملك وأعطاه دية ابنيه . وبلغ زهيرا مكانه ، فدعا ابنا له يقال له عامر ، وكان من فتيان العرب لسانا وبيانا ، فقال له : إنّ رزاحا قدم على الملك ، فالحق به ، فاحتل في أن تكفينيه . وقال : إذممني عند الملك ونل منّي ، وأثّر به آثارا . فخرج الغلام حتى قدم الشام فتلطَّف في الدّخول على الملك حتى وصل إليه ، وأعجبه ما رأى منه ، فقال له : من أنت ؟ فقال : أنا عامر بن زهير بن جناب . قال : فلا حيّاك اللَّه ولا حيّا أباك الغادر الكذوب الساعي . فقال الغلام : نعم ، فلا حيّاه اللَّه ، أنظر أيها الملك ما صنع بظهري ، وأراه آثار الضرب . فقبل ذلك منه وأدخله في ندمائه . فبينا هو يوما يحدّثه إذ قال : أيها الملك لست أدع أن أقول الحقّ ، وقد واللَّه نصحك أبي ، ثم أنشأ يقول : [ من الوافر ]
فيا لك نصحة لمّا تذقها أراها نصحة ذهبت ضلالا
ثم تركه أياما وقال له بعد ذلك : ما تقول أيّها الملك في حيّة قد قطعت ذنبها وبقي رأسها ؟ قال : ذاك أبوك وصنيعه بالرجلين ما صنع . قال : أبيت اللعن ! فو اللَّه ما قدم رزاح إلا ليثأر بهما . فقال له : وما آية ذلك ؟ قال : اسقه الخمر ،