تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التذكرة الحمدونية — صفحة 408

مساهمون:

ص٤٠٨
وأحسّ من القوم بتظاهر الشماتة : [ من الطويل ]
وودّ بجدع الأنف لو أنّ صحبه تنادوا وقالوا في المتاح له قم
ثم أقبلوا إليّ ، وانعكفوا عليّ ، بأوجه متهللة ، وألسن متوسّلة ، في شرح الحال ، والقيام بجواب السؤال ، فقلت : هذا بديع عجيب ، أنا أسأل وأنا أجيب ؟ إنّ إلياس بن مضر تزوج ليلى ابنة تغلب بن حلوان بن الحاف بن قضاعة بن معدّ ( في بعض النسب ) فولد له منها عمرو وعامر وعمير ، ففقدهم ذات يوم فأنحى على ليلى باللوم ، فقال : أخرجي في أثرهم ، وأتيني بخبرهم . فمضت في طلبهم ، وعادت بهم ، فقالت : ما زلت أخندف في ابتغائهم ، حتى ظفرت بلقائهم . فقال لها إلياس : أنت خندف ، والخندفة في الاتباع ، تقارب خطو في إسراع . وقال عمرو : يا أبه ، أنا أدركت الصيد فلويته ، فقال له : أنت مدركة إذ حويته . وقال عامر : أنا طبخته وشويته ، فقال له : أنت طابخة إذ شويته ، فقال عمير : وأنا انقمعت في الخباء ، فقال له : فأنت قمعة للاحتباء . فلصقت بها وبهم هذه الألقاب ، وجرت بها إليهم الأنساب . فقال حينئذ : هذا علم استفدته ، وفضل استزدته ، وقد قال الحكيم : مذاكرة ذوي الألباب ، نماء الآداب . فقلت له متمثلا : [ من الطويل ]
أقول له والرمح يأطر متنه تأمل خفافا إنني أنا ذلكا
ثم لم يحتبس إلَّا قليلا ، ولم يمتسك طويلا ، ولم ير من رأي فتيلا ، حتى عاد إلى هديره ، وأخذ في تهذيره ، طمعا أن يأخذ بالثار ، ويعود الفصّ له في القمار ، فعدل عن العلوم النّسبيّة ، وجال في ميدان العربية ، ولم يحسّ أنّ باعه فيها أقصر ، وطرفه دون حقائقها أحسر ، فقال : حضرت يوما حلبة من حلبات العلوم ، وموسما من مواسم المنثور والمنظوم ، وقد غصّ بكلّ خطيب مصقع ، وحكيم مقنع ، وعالم مصدع ، وملىء من كلّ عتيق صهّال ، وفنيق صوّال ،