دون مقامه ، ويقتصر من تمامه ، ويغضّ من سهامه ، ويظهر بعض شكيمته ، ويساوم بأيسر قيمته ، ويستر كثيرا من بضاعته ، ويكتم دقيق صناعته ، ولا يبلغ غاية استطاعته ، وأن يعاشر الناس بأصدق المناصحة ، وجميل المسامحة ، وأن لا يحمله الإعجاب بما يحسنه ، على الازدراء بمن يستقرنه ، والافتراء على من يعترضه ويلسنه ، ليكون خبره أكثر من خبره ، ونظرته أروع من منظره ، ويكون أقرب من الإعذار ، وأبعد من الخجلة والانكسار : [ من الطويل ]
فليس الفتى من قال إني أنا الفتى
ولكنّه من قيل أنت كذلكا
ومن مدع ملكا بغير شهادة
له خجلة إن قيل أن لست مالكا
ولقد نصرت بالاتّضاع ، على ذي نباهة وارتفاع ، وذلك أني أصعدت في بعض الأيام ، مع جماعة من العوام ، بين ناجر وزائر وثاجر وتامر « 1 » إلى الغريّ والحائر « 2 » ، حتى انتهينا إلى قرية شارعة ، آهلة زارعة ، وما منا إلَّا من أملته السّميريّة « 3 » فأغرضته ، وأسقمته فأمرضته ، وفتّرته فقبضته ، فكثر منا الجؤار ، واستولى علينا الدّوار ، فخرجنا منها خروج المسجون ، وقد تقوّسنا تقويس العرجون ، فاسترحنا بالصعود ، من طول القعود : [ من الرجز ]
كأننا الطير من الأقفاص
ناجية من أحبل القنّاص
طيّبة الأنفس بالخلاص
منفّضات الريش والعناصي « 4 »
فما استتمّت الراحة ، ولا استقرت بنا الساحة ، حتى وقف علينا واقف وهتف بنا هاتف : أيّكم ابن الخوارزمي ؟ فقالوا له : ذلك الغلام المنفرد ،
شرح
« 1 » وثاجر وتامر : زيادة من ر .
« 2 » الغري والحائر : قبر الإمام علي ومشهده .
« 3 » السميرية : نوع من السفن .
« 4 » العناصي : جمع عنصية ، وهي الخصلة من الشعر بقدر القنزعة ، ياقوت : النواصي .