تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التذكرة الحمدونية — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
أن تشرب أقداحا من النبيذ تشدّ قلبك عليك ، وتسكَّن ما بك ، والثالثة أن تحدّثني بقصّتك ، فقال : أفعل ما تريد ، فأخذت الدنانير ودعوت بالطعام فأصاب منه إصابة معذّر ، ثم دعوت بالنبيذ فشرب أقداحا ، وغنّيته بشعر غيره في نحو معناه ، وهو يشرب ويبكي ، ثم قال : الشرط أعزّك اللَّه ، فغنّيته صوته فجعل يبكي أحرّ بكاء ، وينشج أشدّ نشيج وينتحب ، فلما رأيت ما به قد خفّ عما كان يلحقه ، ورأيت النبيذ قد شدّ من قلبه ، كرّرت عليه صوته مرارا ، ثم قلت له : حدّثني حديثك . فقال : أنا رجل من أهل المدينة ، خرجت متنزّها في ظاهرها ، وقد سال العقيق ، في فتية من أقراني وأخداني ، فبصرنا بفتيات « 1 » قد خرجن لمثل ما خرجنا له ، فجلسن حجرة منّا ، وبصرت فيهنّ بفتاة كأنها قضيب قد طلَّه الندى ، تنظر بعينين ما ارتدّ طرفها إلا بنفس من يلاحظها ، فأطلنا وأطلن حتى تفرّق الناس وانصرفنا ، وقد أبقت بقلبي جرحا بطيئا اندماله ، فعدت إلى منزلي وأنا وقيذ ، وخرجت من غد إلى العقيق وليس به أحد ، فلم أر لها ولا لصواحباتها أثرا « 2 » ، ثم جعلت أتبعها في طرق المدينة وأسواقها ، فكأنّ الأرض أضمرتها ، وسقمت حتى أيس مني أهلي ، وخلت بي ظئر لي فاستعلمتني حالي وضمنت لي كتمانها والسعي في ما أحبه منها ، فأخبرتها بقصتي ، فقالت : لا بأس عليك ، هذه أيام الربيع ، وهي سنة خصب وأنواء ، وليس يبعد عنك المطر ، ثم غدا العقيق « 3 » فتخرج حينئذ وأخرج معك ، فإنّ النسوة يجئن ، فإذا فعلن ورأيتها اتبعتها حتى أعرف موضعها ، ثم أصل بينك وبينها ، وأسعى لك في تزويجها . فكأنّ نفسي اطمأنت إلى ذلك ووثقت به وسكنت إليه ، فقويت وطمعت ، وتراجعت نفسي . وجاء المطر بعقب ذلك ، فسال العقيق ، وخرج الناس وخرجت مع إخواني إليه ، فجلسنا مجلسنا الأول بعينه ، فما كنا والنسوة
شرح
« 1 » الأغاني : بقينات . « 2 » ر : ولا لهن أثر . « 3 » الأغاني : وهذا العقيق ؛ ر : ثم يمد العقيق .