على قوله :
إذا سرحت من حبّ ميّ سوارح
على القلب آبته جميعا عوازبه
فقالت الظريفة : قتلته قتلك اللَّه ، فقالت ميّة : ما أصحّه وهنيئا له ، فتنفّس ذو الرمّة تنفسة كاد حرّها يطير بلحيتي ، ثم أنشدت حتى أتيت على قوله :
إذا نازعتك القول ميّة أو بدا
لك الوجه منها أو نضا الدرع سالبه
فما شئت من خدّ أسيل ومنطق
رخيم ومن خلق تعلَّل جادبه
فقالت الظريفة : قد بدا لك الوجه وتنوزع القول ، فمن لنا بأن ينضو الدرع سالبه ، فقالت لها ميّة : قاتلك اللَّه ، ماذا تأتين به ، فتضاحكت الظريفة وقالت :
إنّ لهذين لشأنا ، فقوموا عنهما ، فقمنا معها ، فخرجت فكنت قريبا حيث أراهما ، وأسمع ما ارتفع من كلامهما ، فو اللَّه ما رأيته تحرّك من مكانه الذي خلَّفته فيه ، حتى ثاب أوائل الرجال ، فأتيته ، فقلت له : انهض بنا فقد ثاب القوم ، فقام فودعها وولَّت ، وردفته وانصرفنا .
قد أتيت من هذه الأخبار والأشعار في هذا الباب وغيره بآخر قبل أول ، وبأول بعد آخر ، ولم ألزم الترتيب في الشعراء وغيرهم ، على قدر منازلهم وأعصارهم ، لأني تبعت الخاطر فيما أملّ ، وأصبحت عندما تذكرت أو نقلت لأبرأ من كدر الكلفة وظلامها ، وليس في ذلك خلل يلحق الغرض الذي أممته . فلا يظنّه المتصفح وصما ، ولا يعده غباوة ونقصا ، فاللَّه تعالى يحرسنا من جهل يطلق ألسنة الزّارين ، ويوقظنا من غفلة تنبّه علَّنا لا نتبع الغاوين ، بمنّه وسعة فضله .