* ( كانَ اللَّه لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّه مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) * ‹ 33 › منها أن اللَّه كما أنه لم يشأ أن يعذبهم والنبي بين ظهرانيهم لم يشأ أن يعذبهم وبعض المسلمين ما زالوا بين ظهرانيهم وكانوا يستغفرون اللَّه فلما خرج هؤلاء عذبهم .
ومنها أن القصد من ذلك ما كان يصدر من الكفار من كلمات الاستغفار مثل غفرانك اللهمّ حيث كانوا يعتقدون أن اللَّه هو الغفار الحقيقي لأنه هو الخالق القادر المدبر . ومنها أن اللَّه لم يكن ليعذبهم لو استغفروه عما بدا منهم وتابوا وأنابوا .
ولعل التأويل الأخير هو الأوجه المتسق مع مقاصد الآيات والوقائع . فالمشركون ظلوا يقولون بطبيعة الحال غفرانك اللهمّ ، ولكن اللَّه عذبهم بسبب استمرارهم على الصد عن المسجد الحرام وهو ما انطوى في الآية [ 34 ] وليس في الآيات قرينة تبرر صرف الضمير في جملة * ( يَسْتَغْفِرُونَ ) * إلى المسلمين الذين بقوا في مكة . والنظم يقتضي أن تكون الجملة حكاية عن الكفار .
هذا ، والآيات قوية محكمة مفحمة في تقريعها وإنذارها وتقريراتها وبخاصة بمجيئها عقب وقعة بدر التي نال الكفار فيها ما نالهم من خسارة وهوان .
ومع ذلك فإن من الحق أن نقول إنها من قبيل تسجيل واقع أمر الكفار ومواقفهم حين نزولها . ولقد آمن جميع من بقي حيّا منهم تقريبا عقب الفتح المكي وحسن إسلامه وسجل اللَّه رضاءه عنهم ورضاءهم عنه . فيكون ما فيها إنذارا وتقريرا في صدد العذاب الأخروي قائما بالنسبة للذين ماتوا وهم كفار منهم .
وجملة * ( وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً ) * تدل على كل حال على أن المشركين كانوا يؤدون عند الكعبة طقوسا يسمونها صلاة وإن لم يرد بيان وثيق يزيد الأمر وضوحا .
ولقد أورد ابن كثير وغيره في سياق الآية [ 33 ] أحاديث عديدة ، منها حديث رواه الترمذي عن أبي موسى عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال : « أنزل اللَّه عليّ أمانين لأمتي * ( وَما كانَ اللَّه لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّه مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) * ‹ 33 › إذا
التفسير الحديث — صفحة 46
مساهمون: محمد عزة دروزة
ص٤٦