تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الحديث — صفحة 376

مساهمون:

ص٣٧٦
وفي تأويل جملة * ( فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِه مَرَضٌ ) * روى المفسرون أنها عنت عدم الليونة في الكلام وترقيقه بأسلوب يثير الشهوة في الفاسقين والمنافقين ويجعلهم يطمعن في نساء النبي صلى اللَّه عليه وسلم ونحن نستبعد ونستغرب هذا . ويتبادر لنا واللَّه أعلم أن في العبارة تحذيرا لنساء النبي صلى اللَّه عليه وسلم بألَّا يتجاوزن في أقوالهن وأفعالهن ما رسم رسوله حتى لا يظن مرضى القلوب أن ذلك التجاوز بترخيص من النبي صلى اللَّه عليه وسلم . وفي تأويل النهي عن التبرّج روى المفسرون أنه في صدد النهي عن إظهار الزينة وإبراز المفاتن أمام غير المحارم . وهو تأويل وجيه . وتفيد جملة * ( وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الأُولى ) * أن نساء العرب قبل البعثة كنّ يفعلن ذلك . ولقد نهى النساء عن إظهار مفاتنهنّ وزينتهنّ أمام غير المحارم في إحدى آيات سورة النور ، وهذا مما يلهم ذاك ، وبسبيل توكيد نهيه لنساء المسلمين عامة . وهناك من أوّل جملة * ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ) * بمعنى ( الزمن الوقار والسكينة في بيوتكن ) . وهناك من أوّلها بمعنى ( المكوث في البيوت وعدم الخروج ) . وقد يكون التأويل الثاني هو الأوجه مع التنبيه على أن الأمر لم يكن يعني عدم خروجهن بالمرة ، وإنما يعني عدم الإكثار من الخروج على غير ضرورة . وروح العبارة يلهم هذا فيما نعتقد . فهناك حاجات وضرورات ملزمة للخروج . والروايات متواترة على أن نساء النبي كن يخرجن في حاجاتهن وضروراتهن في حياة النبي وبعده . . . ولقد روى الشيخان عن عائشة حديثا جاء فيه : « خرجت سودة لحاجتها بعد أن نزل الحجاب وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها فرآها عمر فقال يا سودة أما واللَّه لا تخفين علينا فانظري كيف تخرجين . فانكفأت راجعة ورسول اللَّه في بيتي يتعشّى وبيده عرق فدخلت فقالت يا رسول اللَّه إني خرجت لبعض حاجتي فقال لي عمر كذا وكذا فأوحى اللَّه إليه ثم رفع عنه وإن العرق في يده ما وضعه فقال إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن » ( 1 ) . وننبه على كل حال أن الآيات صريحة بأنها
هامش
( 1 ) التاج ، ج 4 ص 188 و 189 .
التفسير الحديث — صفحة 376 | محمد عزة دروزة