ويأتي بعد في هذه السورة آيات فيها تشريع إقراري لما تزوجه النبي صلى اللَّه عليه وسلم من زوجات وتشريع يمنع تزوجه بزوجات أخرى بعد ذلك فنرجح أن العدد المروي هو في صدد ذلك . أما زوجات النبي في وقت التخيير إذا صحّ أنه عقب وقعة بني قريظة فهن عائشة وحفصة وأم سلمة وسودة وجويرية . ولعلّ اللتين طالبتا بالنفقة هما الأوليان . وقد يستلهم هذا مما روي من شدة أبي بكر وعمر لابنتيهما هاتين حينما قال لهما النبي صلى اللَّه عليه وسلم هن حولي كما ترى يسألنني النفقة على ما أوردناه قبل . واللَّه تعالى أعلم .
هذا ، وكلمة * ( الرِّجْسَ ) * في القرآن جاءت بمعنى النجاسة المادية كما هو ملموح في آية الأنعام قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُه إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّه رِجْسٌ [ 145 ] وجاءت بمعنى النجاسة المعنوية كما هو ملموح في آيات كثيرة منها آية سورة المائدة هذه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ ( 1 ) [ 90 ] وقد تكون في الآية [ 34 ] من الآيات التي نحن في صددها شاملة للنوعين بحيث يكون معنى الجملة التي جاءت فيها أن اللَّه إنما يريد بما وصّى به أزواج النبي صلى اللَّه عليه وسلم ونبههم إليه هو أن يجنبهم كل ما فيه نجاسة وقذارة وإثم وانحراف ويطهرهم من ذلك تطهيرا تاما . وفي هذا ما فيه من عظم الرعاية الربانية لأهل بيت النبي صلى اللَّه عليه وسلم .
وفي تأويل جملة * ( مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ) * روى المفسرون عن ابن عباس أنها عنت النشوز والمعصية وسوء الخلق . ولا بأس في هذا التأويل . وقد يتسق مع الآية التي تلي الجملة التي تنوّه بمن تطيع اللَّه ورسوله وتعمل صالحا . مع القول إنها تتحمل أن يكون معناها ( الزنا ) أيضا وقد يكون في جملة * ( يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ ) * قرينة على ذلك واللَّه أعلم .
هامش
( 1 ) انظر آيات التوبة [ 96 و 126 ] والحج [ 30 ] مثلا . وقد جاءت في آيات أخرى بمعنى عذاب اللَّه وغضبه كما هو في آيات الأعراف [ 70 ] والأنعام [ 125 ] ويونس [ 100 ] .