في الآيات :
1 - إشارة إلى مشهد من مشاهد قدرة اللَّه في الأمطار والرياح وتدليل به على قدرة اللَّه على إحياء الموتى : فاللَّه يرسل الرياح فتحرك السحاب وتسوقه من مكان إلى مكان حتى يكون قطعا متراكمة بعضها على بعض فلا تلبث أن تتساقط من خلالها المياه . وحينما ينزل المطر في مكان يستبشر أهله برحمة اللَّه ويتبدل ما كان من حزنهم وقلقهم ويأسهم قبل نزوله فرحا وأملا بما كان من آثار رحمة اللَّه في إحياء الأرض بعد موتها وجفافها . وفي هذا عبرة تسترعي النظر والتدبر . فاللَّه الذي أحيا الأرض برحمته بعد أن كانت جافة خامدة كالميتة قادر بالبداهة على إحياء الموتى ، فالمشهدان متقاربان وكلاهما بالنسبة لقدرة اللَّه سواء .
2 - وتنديد بالناس لما يظهرونه من جزع وكفر حينما ينحبس المطر : فلقد تقضي حكمة اللَّه أحيانا أن تهبّ الرياح وتتحرك بدون مطر . فإذا ما هبّت على هذا الوجه فاصفرّ الزرع أظهر الذين لا يؤمنون باللَّه جزعا وقنوطا . فهؤلاء كالموتى والعمي والصمّ لا يحسّون ولا يرون ولا يسمعون . والنبي غير مكلف بتغيير طبائع الأشياء فيجعل الميت يحسّ والأعمى يبصر والأصمّ يسمع وإنما عليه أن يخاطب الحي البصير السميع وهو الذي يؤمن بآيات اللَّه ويرضى بما تقتضيه حكمته بدون بطر ولا يأس ولا فرح ولا حزن ويسلم أمره للَّه .
وبين مدلول الآيات وأهدافها ومفهومها وبين الآيات [ 33 - 37 ] تماثل ظاهر يسوغ القول إن الاتصال بينها وبين سابقاتها قائم سياقا وموضوعا .
وروح الآيات وفحواها يلهمان أنه حدث في ظروف البعثة النبوية أن انحبس المطر ثم أرسل ، وأن جزع المشركون ثم فرحوا ، فجعل الحادث مناسبة للتذكير والتنبيه وتدعيم السياق وللتدليل على قدرة اللَّه على بعث الناس بعد الموت وهو ما تكررت الإشارة إليه في هذه السورة بالذات ، وتكررت البرهنة على قدرة اللَّه عليه بأساليب متنوعة .
ولقد أوردنا بعض روايات عن قحط حلّ بالحجاز ومراجعة بعض الزعماء
التفسير الحديث — صفحة 459
مساهمون: محمد عزة دروزة
ص٤٥٩