وفي سورة النحل آية تفيد أن الكفار عادوا مرة أخرى فزعموا أن شخصا معينا يعلَّم النبي صلى اللَّه عليه وسلم . وهي هذه : ولَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُه بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْه أَعْجَمِيٌّ وهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ‹ 103 › وقد ذكر المفسرون ( 1 ) أسماء جبرا ويسار أيضا في سياق هذه الآية ، ولقد احتوت الآية ردّا قويا مفحما مثل الردّ الأول حيث حكت قول الكفار وكذّبته علنا على سمعهم وسمع الشخص الذي كانوا يذكرونه في معرض تعليم النبي صلى اللَّه عليه وسلم ، مع زيادة مهمة هي ذكر هوية الشخص وكونه أعجمي اللسان وأنه ليس هناك أي احتمال لتعلَّم النبي صلى اللَّه عليه وسلم منه ما يتلوه من قرآن عربي مبين .
وقد يقال إن الكفار لم يكونوا ليقولوا ما قالوه لو لم يشاهدوا النبي صلى اللَّه عليه وسلم يجتمع إلى أفراد من غير أهل مكة متنورين مثقفين مطلعين على الكتب الأولى ، وقد يكون هذا واردا . وفي القرآن المكي آيات عديدة نوّهت بالذين أوتوا العلم والكتاب واستشهدت بهم وذكرت فرحهم بما أنزل على النبي صلى اللَّه عليه وسلم وشهادتهم بأنه حق وتصديقهم به وبرسالة النبي صلى اللَّه عليه وسلم الذي أنزل عليه مثل آيات سورة القصص هذه :
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِه هُمْ بِه يُؤْمِنُونَ ‹ 52 › وإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِه إِنَّه الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِه مُسْلِمِينَ ‹ 53 › وآيات سورة الإسراء هذه : قُلْ آمِنُوا بِه أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِه إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقانِ سُجَّداً ‹ 107 › ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا ‹ 108 › ويَخِرُّونَ لِلأَذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهُمْ خُشُوعاً ‹ 109 › وآية العنكبوت هذه : وكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِه ومِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِه وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الْكافِرُونَ ‹ 47 › وآية سورة الأنعام هذه : أَفَغَيْرَ اللَّه أَبْتَغِي حَكَماً وهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّه مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ‹ 114 › وآية
هامش
( 1 ) انظر تفسير الآيات في كتب تفسير الطبري وابن كثير والطبرسي والزمخشري والخازن مثلا .