والآيات معطوفة على سابقاتها والسياق متّصل ببعضه . وقد انطوى فيها وفي الآيات السابقة تقرير كون الكفار في حين يسخفون ويتخذون من دون اللَّه آلهة لا يخلقون شيئا ولا ينفعون ولا يضرون يتواقحون فيقولون عن القرآن والنبي صلى اللَّه عليه وسلم هذه الأقوال الجريئة . وهكذا تستحكم الحجة ويأتي الكلام قويا لاذعا .
والمتبادر من جملة * ( إِنَّه كانَ غَفُوراً رَحِيماً ) * في هذا المقام أنها أريد بها تقرير كون اللَّه تعالى باتّصافه بالغفران لعباده والرحمة بهم أرسل عبده لينذرهم ويهديهم وأن ذلك جعله يمهل الكفار على ما يقولونه من أقوال ويقفونه من مواقف ولا يعجل بعذابهم . وقد قال بعض المفسرين إن في الجملة دعوة للكفار إلى التوبة إلى اللَّه عن قولهم والرجوع إلى الحق . ولا يخلو هذا من الوجاهة وقد تكررت مثل هذه الدعوة في مختلف المواقف والمناسبات المكيّة والمدنيّة .
تعليق على زعم الكفار بأن أناسا يعاونون النبي صلى اللَّه عليه وسلم على القرآن
ويعزو المفسرون الأقوال الواردة في الآيات إلى النضر بن الحرث بن عبد الدار وأصحابه من مشركي قريش ويروون أنهم كانوا يقولون إن محمدا صلى اللَّه عليه وسلم كان يتعلَّم من اليهود أو من بعض أفراد النصارى في مكة كانوا أرقاء وصناعا مثل جبرا ويسار الروميين وعبيد بن الحصر الحبشي الكاهن ، ويستكتب ما عندهم من أسفار ( 1 ) .
وفي الردّ الذي احتوته الآيات على أقوال الكفار إفحام قوي ، فالوحي الرباني يسجّل أقوالهم في آيات تتلى على الناس جهرة ويردّ عليها ردّا فيه تكذيب لهم وتنديد بهم ونسبة الظلم والزور إليهم ويتلى كذلك على الناس جهرة فيسمع الكفار هذا وذاك ويسمعهما معهم الذين ينسب الكفار إليهم معاونة النبي صلى اللَّه عليه وسلم .
هامش
( 1 ) انظر تفسير الآيات في كتب تفسير الطبري وابن كثير والطبرسي والزمخشري والخازن مثلا .