وهذا المعنى من السببية لا ينافي التخطئة ، فان المصلحة السلوكية في طول الواقع
لا في عرضه ، فلم يجتمع في المؤدى مصلحتان أو حكمان متماثلان أو متضادان ،
بل المؤدى بعد باق على ما هو عليه ، غايته أن في سلوك الامارة مصلحة
تداركية ، فالسببية بهذا المعنى لا ترجع إلى التصويب ولا تنافي الطريقية . وقد
تقدم في مبحث الظن : أن من التزم بالمصلحة السلوكية كالشيخ - قدس سره - لم
يلتزم بها مطلقا ، بل إنما يلتزم بها في خصوص انفتاح باب العلم وتمكن المكلف
من تحصيل الواقع ، لمكان قبح التعبد بالامارات مع تمكن المكلف من استيفاء
المصلحة الواقعية ، فلابد وأن يكون في سلوك الامارات مصلحة تداركية . ونحن قد
منعنا عن المصلحة السلوكية حتى في صورة انفتاح باب العلم وقلنا بكفاية
مصلحة التسهيل في صحة التعبد بالامارات ولو مع تمكن المكلف من إدراك
الواقع ، فراجع ما ذكرناه في مبحث الظن .
إذا عرفت ذلك فاعلم : أنه لو قلنا بالسببية التي توافق مسلك التصويب ،
فاندراج الامارات المتعارضة في باب التزاحم واضح إذا كان التعارض لأجل
تضاد المتعلقين ، كما إذا كان مفاد أحد الدليلين وجوب شئ وكان مفاد الآخر
وجوب ضده .
وأما إذا كان التعارض لأجل اتحاد المتعلقين مع اختلاف الامارتين في
السلب والايجاب ( 1 ) كما إذا كان مفاد أحد الدليلين وجوب الشئ ومفاد
هامش
( 1 ) أقول : الأولى في مقام استقصاء صور المسألة ان يقال : إن المصلحة القائمة بالشئ من جهة قيام
الامارة تارة : قائمة بالذات مطلقا ، وأخرى : قائمة مشروطا بالأخذ بهذه الامارة . كما أن في الامارة القائمة
على الإباحة تارة ، تكون الامارة موجبة لقيام مصلحة فيه مقتضية للترخيص فيه ، وأخرى : موجبة لعرائه
عن كونه ذا مصلحة ، كما هو الشأن في الإباحات اللا اقتضائية .
فان كانت موجبة لقيام المصلحة في المتعلق : فمع وحدة الموضوع وإطلاق المصلحة لا شبهة في تزاحم
المقتضيين في أصل تشريع الحكم الفعلي على وفقه ، فمع التساوي - كما في المقام - ينتج الإباحة بمعنى
التخيير بين الفعل والترك ، ومع مزية أحدهما فرضا ينشأ الحكم على وفقه ، وربما ينتهي إلى إنشاء
الأحكام الخمسة . ومع تقيد المصلحة بالأخذ به في مقام العمل فلا شبهة في أن تساوي المصلحتين - كما
هو الشأن في المقام - يقتضي عقلا التخيير عقلا في مقام العمل بالأخذ باي واحد منهما ، إذ لا يمكن الاخذ
بكليهما . ومع تزاحم الخبرين في اقتضاء المصلحة واقتضاء عدمها - كما في التعارض بين الوجوب
والإباحة - فمع إطلاقهما ينتج الإباحة اللا اقتضائية ، ومع اشتراطهما بالأخذ كان أيضا مخيرا بين الاخذ
بذي المصلحة فيصير واجبا وبين الاخذ بالامارة الدالة على الإباحة فيصير مباحا لا اقتضائيا في حقه ،
كما لا يخفى .