أنه قال : ما أدري ما الرقيم ؟
قال * ع * : ويظهر من هذه الروايات ، أنهم كانوا قوما مؤرخين ، وذلك من نبل
المملكة ، وهو أمر مفيد .
وقوله سبحانه : ( إذ أوى الفتية إلى الكهف ) : ( الفتية ) ، فيما روي ، قوم من أبناء
أشراف مدينة دقيوس الملك الكافر ، ويقال فيه " دقيانوس " ، وروي أنهم كانوا مطوقين
مسورين بالذهب ، وهم من الروم ، واتبعوا دين عيسى ، وقيل : كانوا قبل عيسى ، واختلف
الرواة في قصصهم ، ونذكر من الخلاف عيونه ، وما لا تستغنى الآية عنه : فروي عن مجاهد
عن ابن عباس ، أن هؤلاء الفتية كانوا في دين ملك يعبد الأصنام ، فوقع للفتية علم من
بعض الحواريين ، حسبما ذكره النقاش ، أو من مؤمني الأمم قبلهم ، فآمنوا بالله ، ورأوا
ببصائرهم قبيح فعل الناس ، فرفع أمرهم إلى الملك ، فاستحضرهم ، وأمرهم بالرجوع إلى
دينه ، فقالوا / له فيما روي : ( ربنا رب السماوات والأرض . . . ) [ الكهف : 14 ] الآية ،
فقال لهم الملك : إنكم شبان أغمار ، لا عقل لكم ، وأنا لا أعجل عليكم ، وضرب لهم
أجلا ثم سافر خلال الأجل ، فتشاور الفتية في الهروب بأديانهم ، فقال لهم أحدهم : إني
أعرف كهفا في جبل كذا ، فلنذهب إليه .
وروت فرقة أن أمر أصحاب الكهف إنما كان أنهم من أبناء الأشراف ، فحضر عيد
لأهل المدينة ، فرأى الفتية ما ينتحله الناس في ذلك العيد من الكفر وعبادة الأصنام ، فوقع
الإيمان في قلوبهم ، وأجمعوا على مفارقة دين الكفرة ، وروي أنهم خرجوا ، وهم يلعبون
بالصولجان والكرة ، وهم يدحرجونها إلى نحو طريقهم ، لئلا يشعر الناس بهم ، حتى وصلوا
إلى الكهف ، وأما الكلب فروي أنه كان كلب صيد لبعضهم ، وروي أنهم وجدوا في
طريقهم راعيا له كلب ، فاتبعهم الراعي على رأيهم ، وذهب الكلب معهم ، فدخلوا الغار ،
فروت فرقة أن الله سبحانه ضرب على آذانهم عند ذلك ، لما أراد من سترهم وخفي على
أهل المملكة مكانهم ، وعجب الناس من غرابة فقدهم ، فأرخوا ذلك ورقموه في لوحين من
رصاص أو نحاس ، وجعلوه على باب المدينة ، وقيل على الرواية : إن الملك بنى باب
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي ) — صفحة 509
مساهمون: الثعالبي
ص٥٠٩