الغار ، وإنهم دفنوا ذلك في بناء الملك على الغار ، وروت فرقة ، أن الملك لما علم بذهاب
الفتية ، أمر بقص آثارهم إلى باب الغار ، وأمر بالدخول عليهم ، فهاب الرجال ذلك ، فقال له
بعض وزرائه : " ألست أيها الملك إن أخرجتهم قتلتهم ؟ قال : نعم ، قال : فأي قتلة أبلغ من
الجوع والعطش ، ابن عليهم باب الغار ، ودعهم يموتوا فيه ، ففعل ، وقد ضرب الله على
آذانهم كما تقدم ، ثم أخبر الله سبحانه عن الفتية أنهم لما أووا إلى الكهف ، أي : دخلوه
وجعلوه مأوى لهم وموضع اعتصام دعوا الله تعالى بأن يؤتيهم من عنده رحمة ، وهي الرزق
فيما ذكره المفسرون ، وأن يهيئ لهم من أمرهم رشدا ، خلاصا جميلا ، وهذا الدعاء منهم
كان في أمر دنياهم ، وألفاظهم تقتضي ذلك ، وقد كانوا على ثقة من رشد الآخرة ورحمتها ،
وينبغي لكل مؤمن أن يجعل دعاءه في أمر دنياه بهذه الآية الكريمة فقط ، فإنها كافية ،
ويحتمل ذكر الرحمة أن يراد بها أمر الآخرة .
وقوله تعالى : ( فضربنا على آذانهم . . . ) الآية : عبارة عن إلقاء الله تعالى النوم
عليهم .
وقوله : ( عددا ) نعت ل " لسنين " والقصد به العبارة عن التكثير .
وقوله : ( لنعلم ) : عبارة عن خروج ذلك الشئ إلى الوجود ، أي : لنعلم ذلك
موجودا وإلا فقد كان سبحانه علم أي الحزبين أحصى الأمد ، و " الحزبان " : الفريقان ،
والظاهر من الآية أن الحزب الواحد هم الفتية ، إذ ظنوا لبثهم قليلا ، والحزب الثاني هم
أهل المدينة الذين بعث الفتية على / عهدهم حين كان عندهم التاريخ بأمر الفتية ، وهذا قول
الجمهور من المفسرين ، وأما قوله : ( أحصى ) فالظاهر الجيد فيه أنه فعل ماض ، و ( أمدا )
منصوب به على المفعول ، " والأمد " : الغاية ، ويأتي عبارة عن المدة ، وقال الزجاج :
( أحصى ) هو " أفعل " ، ويعترض بأن " أفعل " لا يكون من فعل رباعي إلا في الشاذ ،
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي ) — صفحة 510
مساهمون: الثعالبي
ص٥١٠