يطيعون ذلك ، ويرضونه ، ومعنى هذا : أن التحليل والتحريم إنما هو لله ، كما تقدم بيانه ،
فليس لأحد أن يصرح بهذا في عين من الأعيان إلا أن يكون الباري تعالى يخبر بذلك عنه ،
وما يؤدي إليه الاجتهاد أنه حرام يقول فيه : إني أكره كذا ، وكذلك كان مالك يفعل ، اقتداء
بمن تقدم من أهل الفتوى انتهى .
وقوله : ( متاع قليل ) إشارة إلى عيشهم في الدنيا ، ( ولهم عذاب أليم ) بعد ذلك في
الآخرة ، وقوله : ( ما قصصنا عليك من قبل ) إشارة إلى ما في " سورة الأنعام " من ذي
الظفر والشحوم .
وقوله سبحانه : ( ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك
وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم ) هذه آية تأنيس لجميع العالم فهي تتناول كل
كافر وعاص تاب من سوء حاله ، قالت فرقة : " الجهالة " ، هنا : العمد ، والجهالة ، عندي في
هذا الموضع : ليست ضد العلم ، بل هي تعدي الطور وركوب الرأس . ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : " أو
أجهل أو يجهل علي " وقد تقدم بيان هذا ، وقلما يوجد في العصاة من لم يتقدم له علم
بحظر المعصية التي يواقع .
وقوله سبحانه : ( إن إبراهيم كان أمة قانتا لله . . . ) الآية : لما كشف الله فعل اليهود
وتحكمهم في شرعهم بذكر ما حرم عليهم - أراد أن يبين بعدهم عن شرع إبراهيم عليه
السلام ، " والأمة " ، في اللغة : لفظة مشتركة تقع للحين ، وللجمع الكثير ، وللرجل المنفرد
بطريقة وحده ، وعلى هذا الوجه سمي إبراهيم عليه السلام أمة ، قال مجاهد : سمي إبراهيم
أمة ، لانفراده بالإيمان في وقته مدة ما ، وفي البخاري ، أنه قال لسارة : " ليس على
الأرض اليوم مؤمن غيري وغيرك " ، وفي البخاري قال ابن مسعود : الأمة معلم الخير
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي ) — صفحة 446
مساهمون: الثعالبي
ص٤٤٦