وقوله سبحانه : ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول . . . ) الآية : ( استجيبوا )
بمعنى : أجيبوا وقوله : ( لما يحييكم ) قال مجاهد والجمهور : المعنى للطاعة ، وما
يتضمنه القرآن ، وهذا إحياء مستعار ، لأنه من موت الكفر والجهل ، والطاعة تؤدي إلى
الحياة الدائمة في الآخرة .
وقوله سبحانه : ( واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ) يحتمل وجوها .
منها : أنه لما أمرهم سبحانه بالاستجابة في الطاعة ، حضهم على المبادرة
والاستعجال ، وأعلمهم أنه يحول بين المرء وقلبه بالموت والقبض ، أي : فبادروا الطاعات ،
ويلتئم مع هذا التأويل قوله : ( وأنه إليه تحشرون ) ، أي : فبادروا الطاعات ، وتزودوها ليوم
الحشر .
ومنها : أن يقصد إعلامهم أن قدرة الله وعلمه وإحاطته حائلة بين المرء وقلبه ، فكان
هذا المعنى يحض على المراقبة والخوف لله المطلع على الضمائر ، حكي هذا التأويل عن
قتادة ويحتمل أن يريد تخويفهم ، إن لم يمتثلوا الطاعات ، ويستجيبوا لله وللرسول ، أن
يحل بهم ما حل بالكفار الذين أرادهم بقوله : ( ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون )
[ الأنفال : 23 ] ، لأن حتمه عليهم بأنهم لو سمعوا لم ينتفعوا يقتضي أنه كان قد حال بينهم
وبين قلوبهم .
ومنها : أن يكون المعنى ترجية لهم بأن الله يبدل الخوف الذي في قلوبهم من كثرة
العدو ، فيجعله جراءة وقوة ، وبضد ذلك للكفار ، أي : فإن الله تعالى هو مقلب القلوب ،
كما كان قسم النبي صلى الله عليه وسلم ، وقيل غير هذا .
قال مكي ، وقال الطبري : هذا خبر من الله عز وجل ، أنه أملك بقلوب العباد منهم
لها ، وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء حتى لا يدرك الإنسان شيئا من إيمان ولا كفر ، ولا
يعي شيئا ، ولا يفهم شيئا إلا بإذنه ومشيئته سبحانه ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يقول في
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي ) — صفحة 124
مساهمون: الثعالبي
ص١٢٤