التقوى والطاعة لله سبحانه ، ( ويجعل لكم فرقانا ) : معناه : فرقا بين حقكم ، وباطل من
ينازعكم ، بالنصر والتأييد ، وعبر قتادة ، وبعض المفسرين عن " الفرقان " ههنا بالنجاة ،
وقال مجاهد والسدي : معناه : مخرجا ، ونحو هذا مما يعمه ما ذكرناه ، وقد يوجد
للعرب استعمال " الفرقان " ، كما ذكر المفسرون ، وعلى ذلك شواهد ، منها قول الشاعر :
[ الطويل ]
وكيف أرجى الخلد والموت طالبي * ومالي من كأس المنية فرقان
* ت * : قال ابن رشد : وأحسن ما قيل في هذا المعنى قوله تعالى : ( يجعل لكم
فرقانا ) ، أي : فصلا بين الحق والباطل ، حتى يعرقوا ذلك بقلوبهم ، ويهتدوا إليه . انتهى
من " البيان " .
وقوله سبحانه : ( وإذ يمكر / بك الذين كفروا . . . ) الآية : تذكير بحال مكة وضيقها
مع الكفرة ، وجميل صنع الله تعالى في جميع ذلك ، والمكر : المخاتلة والتداهي ، تقول :
فلان يمكر بفلان ، إذا كان يستدرجه ، وهذا المكر الذي ذكر الله تعالى في هذه الآية هو
بإجماع من المفسرين : إشارة إلى اجتماع قريش في " دار الندوة " بمحضر إبليس في صورة
شيخ نجدي على ما نص ابن إسحاق في " سيره " الحديث بطوله ، وهو الذي كان خروج
رسول الله صلى الله عليه وسلم بسببه ، ولا خلاف أن ذلك كان بعد موت أبي طالب ، ففي القصة : أن أبا
جهل قال : الرأي أن نأخذ من كل بطن في قريش فتى قويا جلديا ، فيجتمعون ثم يأخذ كل
واحد منهم سيفا ، ويأتون محمدا في مضجعه ، فيضربونه ضربة رجل واحد ، فلا تقدر بنو
هاشم على قتال قريش بأسرها ، فيأخذون العقل ، ونستريح منه ، فقال النجدي : صدق
الفتى ، هذا الرأي : لا رأي غيره ، فافترقوا على ذلك ، فأخبر الله تعالى بذلك نبيه صلى الله عليه وسلم ،
وأذن له في الخروج إلى المدينة ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من ليلته ، وقال لعلي بن أبي
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي ) — صفحة 127
مساهمون: الثعالبي
ص١٢٧