النساء ، وأنال الطيب ، فمن رغب عن سنتي ، فليس مني " ، قال الطبري : كان فيما يتلى :
" من رغب عن سنتك ، فليس من أمتك ، وقد ضل عن سواء السبيل " ، والطيبات في هذه
الآية : المستلذات ، بدليل إضافتها إلى ما أحل الله ، وبقرينة ما ذكر من سبب الآية .
وقوله سبحانه : ( ولا تعتدوا ) ، قال عكرمة وغيره : معناه : في تحريم ما أحل
الله ، وقال الحسن بن أبي الحسن : المعنى : ولا تعتدوا ، فتحلوا ما حرم الله ،
فالنهيان على هذا تضمنا الطرفين ، كأنه قال : لا تشددوا ، فتحرموا حلالا ، ولا تترخصوا ،
فتحلوا حراما ، قلت : وروى مالك في " الموطأ " ، عن أبي النضر ، قال : قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، لما مات عثمان بن مظعون ، ومر بجنازته : " ذهبت ، ولم تلتبس منها بشئ " .
قال أبو عمر في " التمهيد " : هذا الحديث في " الموطأ " مقطوع ، وقد رويناه متصلا
مسندا من وجه صالح حسن ، ثم أسند أبو عمر عن عائشة ، قالت : " لما مات عثمان بن
مظعون ، كشف النبي صلى الله عليه وسلم الثوب عن وجهه ، وقبل بين عينيه ، وبكى بكاء طويلا ، فلما رفع
على السرير ، قال : طوبى لك يا عثمان ! لم تلبسك الدنيا ولم تلبسها " .
قال أبو عمر : كان عثمان بن مظعون أحد الفضلاء العباد الزاهدين في الدنيا من
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المتبتلين منهم ، وقد كان هو وعلي بن أبي طالب هما أن يترهبا
ويتركا النساء ، ويقبلا على العبادة ، ويحرما طيبات الطعام على أنفسهما ، فنزلت : ( يا أيها
الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم . . . ) الآية . ونقل هذا معمر وغيره عن
قتادة . انتهى .
وقوله سبحانه : ( ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ) : معناه : شددتم ، وعقد اليمين
كعقد الحبل والعهد ، قال الحطيئة : [ البسط ]
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي ) — صفحة 414
مساهمون: الثعالبي
ص٤١٤