إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع . . . ) الآية : قال النووي : ينبغي للقارئ أن
يكون شأنه الخشوع والتدبر والخضوع ، فهذا هو المقصود المطلوب ، وبه تنشرح الصدور ،
وتستنير القلوب ، ودلائله أكثر من أن تحصر ، وأشهر من أن تذكر ، وقد بات جماعة من
السلف يتلو الواحد منهم آية واحدة ، ليلة كاملة ، أو معظم ليلة يتدبرها ، وصعق جماعات
منهم عند سماع القرآن ، وقراءته ، ومات جماعات منهم ، ويستحب البكاء والتباكي لمن لا
يقدر على البكاء ، فإن البكاء عند القراءة صفة العارفين ، وشعار عباد الله الصالحين ، قال
الله عز وجل : ( ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا ) [ الإسراء : 109 ] وقد وردت آثار
كثيرة في ذلك . انتهى من " الحلية " للنووي .
وذكر ابن عباس وابن جبير ومجاهد ، أن هذه الآية نزلت بسبب وفد بعثهم النجاشي
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليروه ويعرفوا حاله ، فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم القرآن ، فبكوا وآمنوا ،
ورجعوا إلى النجاشي ، فآمن ، ولم يزل مؤمنا حتى مات ، فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم ، وروي
أن نعش النجاشي كشف للنبي - عليه السلام - ، فكان يراه من موضعه بالمدينة ، وجاء الخبر
بعد مدة أن النجاشي دفن في اليوم الذي صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم عليه ، قال أبو صالح : كانوا
سبعة وستين رجلا ، وقال ابن جبير : كانوا سبعين ، عليهم ثياب الصوف ، وكلهم صاحب
صومعة ، اختارهم النجاشي .
وصدر الآية في قرب المودة عام فيهم ، ولا يتوجه أن يكون صدر الآية خاصا فيمن
آمن ، وإنما وقع التخصيص من قوله تعالى : ( وإذا سمعوا ) ، وجاء الضمير عاما ، إذ قد
تحمد الجماعة بفعل واحد منهم ، وفي هذا استدعاء للنصارى ، ولطف من الله بهم ،
ليؤمنوا .
قال * ص * : ( مما عرفوا من الحق ) : " من " الأولى لابتداء الغاية .
قال أبو البقاء : ومعناها : من أجل الذي عرفوا ، و " من " الثانية لبيان " ما " الموصولة .
انتهى .
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي ) — صفحة 412
مساهمون: الثعالبي
ص٤١٢