في سبيل الله ، ألا ترى إلى حال الصحابة ( رضي الله عنهم ) ، وقلتهم في صدر الإسلام ،
وكيف فتح الله بهم البلاد ، ودان لدينهم العباد ، لما بذلوا لله أنفسهم في الجهاد ، وحالنا
اليوم ، كما ترى ، عدد أهل الإسلام كثير ، ونكايتهم في الكفار نزر يسير ، وقد روى أبو
داود في " سننه " عن ثوبان ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يوشك الأمم أن تتداعى عليكم ،
كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ، فقال قائل : ومن قلة نحن يومئذ ؟ قال : بل أنتم كثير ،
ولكنكم غثاء كغثاء السيل ، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن في
قلوبكم الوهن ، فقال قائل : يا رسول الله ، وما الوهن ؟ قال : حب الدنيا ، وكراهية
الموت " . اه ، فانظر ( رحمك الله ) ، فهل هذا الزمان إلا زماننا بعينه ، وتأمل حال
ملوكنا ، إنما همتهم جمع المال من حرام وحلال ، وإعراضهم عن أمر الجهاد ، فإنا لله وإنا
إليه راجعون على مصاب الإسلام .
( وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا
على القوم الكافرين ( 147 ) فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين ( 148 ) )
وقوله تعالى : ( وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا . . . ) الآية : هذه الآية
في ذكر الربيين ، أي : هذا كان قولهم ، لا ما قاله بعضكم ، يا أصحاب محمد : ( لو كان لنا
من الأمر شئ ما قتلنا هاهنا ) [ آل عمران : 154 ] ، إلى غير ذلك مما اقتضته تلك الحال من
الأقوال ، قلت : وهذه المقالة ترجح القول الثاني في تفسير الربيين ، إذ هذه المقالة إنما
تصدر من علماء عارفين بالله .
قال * ع * : واستغفار هؤلاء القوم الممدوحين في هذا الموطن ينحو إلى أنهم
رأوا أن ما نزل من مصائب الدنيا إنما هو بذنوب من البشر ، كما نزلت قصة أحد بعصيان
من عصى ، وقولهم : ( ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا ) : عبارتان عن معنى قريب بعضه من
بعض ، جاء للتأكيد ، ولتعم مناحي الذنوب ، وكذلك فسره ابن عباس وغيره ، وقال
الضحاك : الذنوب عام ، والإسراف في الأمر ، أريد به الكبائر خاصة ، ( فآتاهم الله ثواب
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي ) — صفحة 120
مساهمون: الثعالبي
ص١٢٠