قوم نجى كما قيل ( وإذ هم نجوى ) بتنزيل المصدر منزلة الأوصاف ، وحينئذ يكون فيه التوجيهات المذكورة
في رجل عدل ، ويجوز أن يقال : هو قوم نجى كما قيل هم صديق ، لأنه بزنة المصادر كالعميد والوخيد والذميل
وجمع أنجية كما قال : * إذا ما القوم كانوا أنجيه * ومعناه : صاروا فرقا لما حزبهم من الشر يتناجون ويتشاورون .
وقوله اضطرب القوم : أي أخذهم القيام والقعود وفارقهم القرار من شدة الخوف حتى يضطربوا اضطراب
الأرشية عند الاستقاء . وقوله * وشد فوق بعضهم بالأرويه * جمع الرواء وهو الحبل الذي يروى به : أي
يستقى هناك أشار به إلى المكان والزمان معا . والمعنى في ذلك الوقت يوجد الغناء والكفاية عندي ويحصل الصبر
والموادة ، فاجعل وصايتك بي لا في واعتمد على لا غيري .
( وجارة جساس أبأنا بنابها * كليبا غلت ناب كليب بواؤها )
في سورة الفرقان عند قوله تعالى ( لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا ) أي بالغا أقصى غاياته حيث
أملو نيل رتبة المفاوضة الإلهية من غير توسط الرسول والملك كما قالوا ( لولا يكلمنا الله ) ولم يحسروا على هذا
القول العظيم إلا أنهم بلغوا غاية الاستكبار وأقصى العتو ، وهذه الجملة في حسن استئنافها غاية وفى أسلوبها قول
القائل * وجارة جساس أبأنا بنابها * الخ ، وفى فحوى هذا الفعل دليل على التعجب من غير لفظ تعجب ،
ألا ترى أن المعنى : ما أشد استكبارهم وما أكبر عتوهم وما أغلى نابا بواؤها كليب . جساس : قاتل كليب ،
وجارته بسوس : امرأة يقال إنها خالته ، وقتل للبسوس الناقة التي بهاب هاجت الحرب بين بكر وتغلب ، رماها
كليب فقتلها ، ويقال في المثل : أشأم من البسوس . قيل لما غفر كليب ناقة جارة جساس قال جساس : ليقتلن
فحل هو أعظم من ناقتك ، فبلغ ذلك كليبا فظن أنه فحله الذي يسمى عليان ، فقال : دون عليان خرط القتاد ، وكان
جساس يعنى بالفحل نفس كليب فقتله ، فقوله أبأنا : أي قابلنا من البواء وهو التساوي في القصاص ، والبواء
مهموز ، تقول اقتل هذا بقتيلك فإنه بواء به : أي يعادله ، قال الشاعر :
باءت عرار بكحل فيما بيننا * والحق يعرفه أولو الألباب
فقوله غلت ناب ، الناب : الناقة ، ومعناه : ما أغلى نابا بؤاوها كليب . وقد استشهد بالبيت المذكور في
سورة الصف عند قوه تعالى ( كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ) وفعل من صيغ التعجب كظرف ، قال
الزمخشري : قصد في كبر التعجب من غير لفظه ، ومعنى التعجب تعظيم الأمر لأنه من الله محال .
( وكأس شربت على لذة * وأخرى تداويت منها بها
لكي يعلم الناس أنى امرؤ * أتيت المعيشة من بابها )
هو للأعشى . في سورة والصافات عند قوله تعالى ( يطاف عليهم بكأس من معين ) يقال للزجاجة التي فيها
الخمر كأس ، وتسمى الخمر نفسها كأسا وهى مؤنثة ولهذا وصفت ببيضاء ، وفى البيت بأخرى ، وأنشد الأصمعي
يوشك من فر من منيته * يوما على علة يوافقها
من لم يمت غبطة يمت هرما * للموت كأس والمرء ذائقها
يقول : رب كأس شربت لطلب اللذة وكأس شربت للتداوي من خمارها كما قيل :
* ذهب الخمار بلذة الخمر * ليعلم الناس أنني رجل ذو رأى آتي أبواب المعيشة من حيث ينبغي أن
تؤتى ، وفى معنى البيت قوله :
تنزيل الآيات على الشواهد من الأبيات ، شرح شواهد الكشاف — صفحة 561
مساهمون: محب الدين الأفندي
ص٥٦١