( يا رب لا تسبلني حبها أبدا * ويرحم الله عبدا قال آمينا )
الشاهد في مد ألف آمين في هذا البيت ، وقائله قيس المجنون ، فإنه لما اشتد أمره في حب ليلى أشار الناس
على أبيه ببيت الله الحرام وإخراجه إليه والدعاء له عسى أن يسلبه عنها ويعافيه ، فذهب به أبوه إلى مكة وأراه
المناسك فأنشأ يقول في تلك المواسم :
ذكرتك والحجيج له ضجيج * بمكة والقلوب لها وجيب
فقلت ونحن في بلد حرام * به لله أخلصت القلوب
أتوب إليك يا رحمن مما * عملت فقد تضافرت الذنوب
فأما من هوى ليلى وحبى * زيارتها فإني لا أتوب
وكيف وعندها قلبي رهين * أتوب إليك منها أو أنيب
ثم ذهب به إلى باب الكعبة ليدعو الله تعالى لعله يخفف عنه حب ليلى فأخذ بحلقة الباب وقال :
* يا رب لا تسلبني حبها أبدا * وقبل البيت :
يا رب إنك ذو من ومغفرة * بيت بعافية ليل المحبينا
الذاكرين الهوى من بعد ما رقدوا * والنائمين على الأيدي المكبينا
( إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا * منى وما سمعوا من صالح دفنوا
صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به * وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا
جهلا على وجبنا من عدوهم * لبئست الخلتان الجهل والجبن )
من أبيات الحماسة . في سورة البقرة عند قوله تعالى ( صم بكم عمى فهم لا يرجعون ) والريبة : الشك والتهمة
أيضا . ودفنوا : أي ستروا . وأذنوا من أذنت للشئ أذنا : إذا سمعته وأضغيت إليه . والمعنى : إن يسمعوا في حقي
من المساوى ما يكون عندهم ريبة لا يقينا فرحوا به ، وما سمعوا من أفعالي الحميدة ستروها عن الناس حسدا . وقد
أغفل هذا القائل قسما ثالثا وهو سلوك طريق البهتان وكان ذلك بحسب أهل هذا الزمان ، وقد أحسن كل الإحسان
من قال : مستنجد بجميل الصبر مكتئب * على بنى زمن أفعالهم عجب
إن يسمعوا الخير أخفوه وإن سمعوا * شرا أشاعوا وإن لم يسمعوا كذبوا
واللائق بمن ابتلى بهذه الأفعال أن يتمثل بقول من قال : * ولى أذن عن الفحشاء صماء *
ولله در القائل : * أذن الكرام عن الفحشاء صماء *
( كيف الهجاء وما تنفك صالحة * من آل لأم بظهر الغيب تأتيني )
في سورة البقرة عند قوله تعالى ( وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) وهى من الصفات الغالبة التي تجرى
مجرى الأسماء كالحسنة . والبيت للحطيئة لما سئل أن يهجو حارثة بن لأم الطائي المعروف بابن سعدى . وكان من
سببه أن وفود العرب حشروا بين يدي النعمان بن المنذر ، فأحضر حللا من حلل الملوك قال إني ملبسها غدا لمن
تنزيل الآيات على الشواهد من الأبيات ، شرح شواهد الكشاف — صفحة 547
مساهمون: محب الدين الأفندي
ص٥٤٧