تخطت ناقتي فيها ، وكائن من نائم عن ليل تلك المفازة وغافل عنها غير عارف بها .
ومبرأ من كل غبر حيضة * وفساد مرضعة وداء مغيل
وإذا نظرت إلى أسرة وجهه * برقت كبرق العارض المتهلل
حملت به في ليلة مزءودة * كرها وعقد نطاقها لم يحلل
( فأتت به حوش الفؤاد مبطنا * سهدا إذا ما نام ليل الهوجل )
هو لأبى كثير الهذلي من أبيات الحماسة . في سورة المزمل عند قوله تعالى ( يا أيها المزمل ) غير الحيض : باقيه
قبل الطهر . وفساد مرضعة : أراد الفساد الذي من قبلها . والغيلة : هي أن يمس الرجل امرأته وهى ترضع . وروى
وداء معضل : وهو الذي لا دواء له . والمعنى : أن الأم حملت به وهى طاهرة ليس بها بقية حيض ، ولم ترضعه أمه
غيلا وهو أن تسقيه وهى حبلى بعد قوله : في ليلة مزءودة . الزأد : الذعر . والمعنى : حملت الأم ، ويروى
مزءودة بالنصب حال عن المرأة ، ويروى مزءودة بالجر بأن تجعله صفة لليلة كأنه لما وقع الزأد والذعر فيها جعله
لها كما قيل : جحر ضب خرب . قوله : وعقد نطاقها لم يحلل . النطاق : ما تنتطق به المرأة وتشد به وسطها للعمل .
وحكى عن أم تأبط شرا أنها قالت فيه : إنه والله لشيطان ما رأيته قط ضاحكا ، ولا هم بشئ مذ كان صبيان إلا
فعله ، ولقد حملت به في ليلة ظلماء وإن نطاقي لمشدود . قوله حوش الفؤاد : أي وحشيه . لحدته وتوقده ، ورجل
حوشي : لا يخالط الناس . مبطنا : خميص البطن . والهوجل : الثقيل الكسلان ذو الغفلة . يقول : أتت الأم بهذا
الولد متيقظا حذرا حديد الفؤاد ذكيا ساهرا إذا نام ليل البليد . روى عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت :
" كنت قاعدة أغزل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخصف نعلا ، فجعل لا يتحدر من عرقه شئ إلا يولد
في عيني نورا ، فبقيت أنظر إليه ، فالتفت إلى وقال : ما تنظرين ؟ فقلت : ما يتحدر من عرقك شئ إلا يولد
في عيني نورا ، أما والله لو رآك أبو كثير الهذلي لعلم أنك أحق بشعره من غيرك . فقال : وما قال أبو كثير ؟
قلت له : * ومبرأ من كل غبر حيضة * وقوله : * وإذا نظرت إلى أسرة وجهه * البيتين ، فوضع رسول
الله صلى الله عليه وسلم ما كان في يده ثم قام فقبل ما بين عيني وقال : جزاك الله خيرا ، ما سررت كسروري بكلامك "
( أوردها سعد وسعد مشتمل * ما هكذا تورد يا سعد الإبل )
في سورة المزمل عند قوله تعالى ( يا أيها المزمل ) أي المتزمل بثيابه ، من تزمل : إذا التف . هذا سعد بن زيد
مناة أخو مالك بن زيد مناة الذي يقال له : آبل من مالك ، لأنه كان آبل أهل زمانه ، ثم إنه خرج وبنى بامرأته
فأورد الإبل أخوه سعد ولم يحسن القيام عليها والرفق بها ، فقال مالك : أوردها سعد الخ . أي أتى بها الورد ،
والحال أنه مشتمل ليس متشمرا فذمه بالاشتمال وجعل ذلك خلاف الجلد والكيس ، وهذا البيت صار مثلا فيمن
يشتغل بالأمر لا على وجه تيقظ وتشمر ، فلذا ذم الشاعر سعدا بالاشتمال .
( أبعد الذي بالنعف نعف كويكب * رهينة رمس ذي تراب وجندل )
أذكر بالبقيا على من أصابني * وبقياي أنى جاهد غير مؤتلى
في سورة المدثر عند قوله تعالى ( كل نفس بها كسبت رهينة ) ليست بتأنيث رهين في قوله ( كل امرئ بما
كسب رهين ) لتأنيث النفس ، لأنه لو قصدت الصفة لقيل رهين لأن فعيلا بمعنى مفعول يستوى فيه المذكر
والمؤنث ، وإنما هي اسم بمعنى الرهن كالشتمية بمعنى الشتم كأنه قيل : كل نفس بما كسبت رهن ، ومنه بيت
تنزيل الآيات على الشواهد من الأبيات ، شرح شواهد الكشاف — صفحة 507
مساهمون: محب الدين الأفندي
ص٥٠٧