تخطي إلى المحتوى الرئيسي

طرائف المقال — صفحة 489

مساهمون:

ص٤٨٩
والقواعد الأدبية وسنه عشر سنين ، فتلمذ عند محمود مساح في علوم الحساب والهندسة والجبر والمقابلة بإشارة والده . فإذا بلغ الحكيم عبد الله بابلي إلى بخارا ، فعظمه والد الشيخ وأكرمه ، وعززه ، وقد قرأ عليه المنطق من أقسام مسائل الحكمة والاقليدس والمجسطي . وبعد ذلك اشتغل في الحكمة الطبيعية والإلهية ، ففتحت له أبواب العلوم . ثم اشتغل بتحصيل علم الطب ، فترقى في زمان قليل ، فصار وحيدا في ذلك الفن ، حتى أن المهرة فيه يحضرون درسه ، ويستفيدون من درر تدقيقاته ، ومع ذلك يستفيد مسائل الفقه والأصول من مجلس إسماعيل الزاهد . ولم يزل مشغولا بالمطالعة والكتابة ، وينوم في الليل قليلا ، وكلما حصل له الشبهة في المسألة كان يذهب إلى المسجد الجامع بعد الوضوء ، فيصلي ركعتين خاشعا متضرعا ، فيدعو بعدهما ملحا مصرا حتى ينكشف له الشبهة والعويصة . نقل أنه لما غلب عليه النوم في الليالي كان يشرب كأسا من الخمر . قال صاحب الروضة : انه لم يسبق إليه أحد في شرب الخمر من الحكماء ، حتى الذين كانوا قبل بعثة محمد صلى الله عليه وآله ، كأفلاطون وأرسطو وغيرهما من الحكماء السابقين ، لم يعرف منهم شرب الخمر ، وهو كان متلذذا بجميع الشهوات النفسانية مبالغا في المعاصي ، وقد اقتفوا به سائر الحكماء الذين حدثوا بعد . فلما بلغ سنه إلى ثمانية عشر فارغ من جميع العلوم من المنطقية والرياضية والطبيعية ، فمال إلى علم ما بعد الطبيعة ، فاشتغل بمطالعة ما كتب في ذلك العلم ، فقرأه كرارا الا أنه قد بقي له الشبهة في كثير من عباراته غير منحلة ، وقد خاض في حياض التفكر والتدبر فلم ينكشف له العقدة ، فبئس من الحل وزعم انسداد طريقه ، فذات يوم عبر إلى سوق الصحافين ، فالتفت إلى نسخة مكتوبة في أعراض ما بعد الطبيعة ، وحثه الصحاف إلى اشترائه ، فاعرض عن كلامه لما حصل له اليأس من فهم ذلك العلم ، ثم أصر عليه وقال : ان صاحبها فقير محتاج ، فاشتراها بثلاث درهم ، وهي مما صنفها الفارابي ، فبعد مطالعتها قد ارتفع له الشبهة وانكشف له ما خفي عليه ،