تخطي إلى المحتوى الرئيسي

طرائف المقال — صفحة 451

مساهمون:

ص٤٥١
من لم يكن درهم لديه * لم تلتفت عرسه إليه ثم إنه لما علم أن مجرد المراسلات والمكاتبات لا تنفع الغليل ولا تشفي العليل توجه إلى العراق لزيارة الأئمة وإقامة الحجة على الطاغين ، ثم إنه بعد الوصول إلى تلك المشاهد العلية لبس ثيابا خشنة عتيقة ، وتزيا بهيئة رثة بالاطراح والاحتقار خليقة . ودخل بعض مدارس العراق المشحون بالعلماء والحذاق ، فسلم عليهم فرد بعضهم بالاشتغال والامتناع التام ، فجلس في صف النعال ولم يلتفت إليه أحد منهم ، ولم يقضوا واجب حقه ، وفي أثناء المباحثة وقعت بينهم مسألة مشكلة دقيقة كلت فيها أفهامهم ، وزلت فيها أقدامهم ، فأجاب بتسعة أجوبة في غاية الجودة والدقة ، فقال بعضهم بطريق السخرية والتهكم : أخا لك طالب علم ، ثم بعد ذلك أحضر الطعام فلم يؤاكلوه بل أفردوه بشئ قليل على حدة واجتمعوا على المائدة فلما انقضى ذلك المجلس قام قدس سره . ثم عاد في اليوم الثاني إليهم وقد لبس ملابس فاخرة بهيئة الأكمام واسعة ، وعمامة كبيرة وهيئة رائعة ، فلما قرب وسلم عليهم قاموا تعظيما له واستقبلوه تكريما ، وبالغوا في ملاطفته ومطايبته ، واجتهدوا في تكريمه وتوقيره ، وأجلسوه في صدر ذلك المجلس المشحون بالأفاضل المحققين والأكابر المدققين . لما شرعوا في المباحثة والمذاكرة تكلم معهم بكلمات علية لا وجه لها عقلا ولا شرعا ، فقبلوا كلماته العليلة بالتحسين والتسليم والاذعان على وجه التعظيم ، فلما حضرت مائدة الطعام بادر الاعلام معه بأنواع الأدب ، فألقى الشيخ كمه في ذلك الطعام مستعتبا على أولئك الاعلام ، وقال : كل يا كمي . فلما شاهدوا تلك الحال العجيبة أخذوا في التعجب والاستغراب ، واستفسروه عن معنى هذا الخطاب ، فأجاب قدس سره بأنكم انما أتيتم بهذه الأطعمة النفيسة لأجل أكمامي الواسعة لا لنفسي القدسية اللامعة ، والا فأنا صاحبكم في الأمس ، وما رأيت تكريما ولا تعظيما ، مع أني جئتكم بالأمس بصورة الفقراء وسجية العلماء واليوم