تخطي إلى المحتوى الرئيسي

طرائف المقال — صفحة 406

مساهمون:

ص٤٠٦
وشهدوا هؤلاء المشايخ أنا سمعنا آبائنا حكوا عن آبائهم وأجدادهم ، أنا عهدنا هذا الشيخ المعروف بأبي الدنيا معمر ، واسمه علي بن عثمان ، وذكر أنه همداني وأن أصله من صنعاء اليمن ، فقلنا له : أنت رأيت علي بن أبي طالب عليه السلام فقال بيده ففتح عينيه وقد كان وقع حاجباه على عينيه ، ففتحهما كأنهما سراجان وقال : رأيته بعيني هاتين وكنت معه خادما له ، وكنت معه في وقعة صفين ، وهذه الشجة من دابة علي عليه السلام ، وأرانا أثرها على حاجبه الأيمن . وشهد الجماعة الذين كانوا حوله من المشايخ ومن حفدته وأسباطه بطول العمر ، وأنهم منذ ولدوا عهدوه على هذه الحالة . وكذا سمعنا من آبائنا وأجدادنا ، ثم انا فاتحناه وسائلنا عن قصته وحاله وسبب طول عمره ، فوجدناه ثابت العقل فيهم ما يقال له ويجيب عنه بلب وعقل ، فذكر أنه كان له والد قد نظر في كتب الأوائل وقرأها ، وقد كان وجد فيها ذكر نهر الحيات في الظلمات ، وأنه من شرب منها طال عمره ، فحمله الحرص على دخول الظلمات ، فتحمل وتزود حسب ما قد رآه يكتفي به في سيره . وأخرجني وأخرج معنا خادمين وباذلين وعدة اجمال لبون وروايا وزاد ، وأنا يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة ، فسار بنا إلى أن وافينا طرف الظلمات ، ثم دخلنا فسرنا فيها نحو ستة أيام بلياليها ، وكنا نميز بين الليل والنهار بأن النهار كان يكون أضوء قليلا وأقل ظلمة من الليل ، فنزلنا بين جبال وأودية ودركات . وقد كان والدي ( رحمه الله ) وجد في الكتب التي قرأها أن مجرى نهر الحيات في هذا الموضع ، فأقمنا في تلك البقعة أياما حتى فنى الماء الذي كان معنا وأسقينا جمالنا ، ولو أن جمالنا كانت لبونا لهلكنا وتلفنا عطشا . وكان والدي يطوف في تلك البقعة في طلب الماء ، ويأمرنا بأن يوقد نارا ليهتدي إذا أراد الرجوع إلينا ، فمكثنا في تلك البقعة نحوا من خمسة أيام ووالدي يطلب النهر فلا يجده ، وبعد الأياس عزم على الانصراف حذرا من التلف ، لفناء الزاد والماء ، والخدم الذين كانوا معنا زجروا وفشوا التلف على أنفسهم ، فألحوا على والدي