والحاصل : إن تحرير العامة لمسألة عدالة الصحابة ، ومسألة حرمة
الخوض في الفتن التي جرت بينهم ، ومسألة الإمامة وما يرتبط بها من
مسائل أخرى ، يجدها الباحث الناظر مضطربة الوجوه ، مترددة بين الإمامة
كعهد من الله ورسوله إلى رجل لا يزل ولا يخطأ ، وبين كونه مجتهدا كبقية
المجتهدين ، أو أن حجية قوله وفعله كراو من رواة الأخبار ، وأن إقامة
البحث عن مسألة عدالة الصحابة ليست كما يفيده عنوان البحث ، بل هو
حول فئة خاصة من الصحابة هم الذين عقدوا البيعة لأبي بكر ، وأن البحث
إنما هو لضرب سياج وحواجز دون التنقيب والبحث عن أحوال وصفات
وممارسات تلك الفئة ، وأن ما عقدوه من مباحث ومسائل الإمامة هو الآخر
في هذا الاتجاه !
ومما يشهد بتدافع تحرير المسائل عندهم ، هو أنهم يستدلون على
الإمامة بأدلة مفادها لزوم عصمة الإمام ، مع أنهم يجيرونها للإمامة العقدية
بالبيعة السياسية ، ومثال ذلك الحديث النبوي : " من مات ولم يعرف إمام
زمانه مات ميتة جاهلية " ، فإن مفاد الحديث وجوب معرفة الإمام في كل
زمان ، وواضح أنه واجب اعتقادي كوجوب معرفة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والإذعان
برسالته .
ويزيد ذلك وضوحا أنه جعل فاقد تلك المعرفة ميتته ميتة كفر ، وفي
الحديث كناية ولطيفة ، وهو أنه جعل كفره عند موته كفر من لم يدخل
الإسلام ، لا كفر من دخل الإسلام وارتد عنه .
ومن البين في بداهة الشرع والعقل أن من تجعل معرفته بهذا الشأن
- الإمامة - لا يمكن أن يكون من يزل ويخطل ، أو يجهل ويضل ، بل لا بد
أن يكون مقامه في الدين يتلو مقام النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، معصوما مطهرا أذهب الله
مجلة تراثنا — صفحة 53
مساهمون: مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث
ص٥٣