فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم .
قال عبد الرحمن : فقلت : يا أمير المؤمنين لا تفعل ، فإن الموسم
يجمع رعاع الناس وغوغاءهم . . .
قال ابن عباس : فقدمنا المدينة . . . فلم أنشب أن خرج عمر بن
الخطاب ، فلما رأيته مقبلا قلت لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل : ليقولن
العشية مقالة لم يقلها منذ استخلف . . .
فجلس عمر على المنبر . . . ثم قال : . . . ثم إنه بلغني أن قائلا منكم
يقول : والله لو مات عمر بايعت فلانا ، فلا يغترن امرؤ أن يقول : إنما كانت
بيعة أبي بكر فلتة . . . " .
فإن مسلسل الرواية يصرح أن قائلا قال بعزمه على أن يبايع بيعة
الفلتة ، وأن عمر غضب ، لأن هذه البيعة ، بيعة الفلتة - البغتة والفجأة والنهزة
والخلسة والاغترار والمبادرة - ، لا يقرها هو ، فغضب لأمور المسلمين ،
وأنه يريد تحذيرهم من هؤلاء الغاصبين ! وأن ما وقع من بيعة أبي بكر
كانت كذلك ، وكانت ذات شر وقى الله المسلمين شرها ، وأنها من غير
مشورة من المسلمين ، إذ كان حينها لغط واختلاف في الآراء عند مداولة
أمر الإمامة والخلافة والبيعة بينهم ، وأن المرتكب لها يستحق القتل ، وأن
مباغتته ببيعة الأول كانت مدافعة للآخرين !
هكذا يرسم لنا عمر صورة إمامة أبي بكر .
وعلى أية حال ، فإن مثل هذه الإمامة على تقدير مشروعيتها - بمنطق
العسكر والقوة ، لا بمنطق الدين والعقل - ، فإنها لا توجب كون صاحبها
لا يزل ولا يخطأ ، وتتبع سنته قائمة إلى يوم القيامة ، ويكون له حظ
المشرع في الدين .
مجلة تراثنا — صفحة 52
مساهمون: مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث
ص٥٢