وإذا لم يتحمله عنهم لم يغفره لهم ، وإذا لم يغفره لهم كان الواجب أخذ
الحق منهم لمن ظلموه ، وهو ظاهر جلي .
وقوله تعالى : * ( وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون ) * ( 1 ) وأمثالها
من الآيات .
وقول النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " ليأخذن الله للجماء من القرناء " ( 2 ) وأشباهه من
الروايات يصححان هذه الأخبار ويثبتان حكمها تمام الإثبات .
وقاعدة العدل - المبينة في الكتب الكلامية ، الحاكمة بوجوب
الاقتصاص من الظالم للمظلوم ( 3 ) على وجه الإطلاق الذي لا يقبل التقييد -
هامش
( 1 ) سورة الزمر 39 : 69 .
( 2 ) أورده ابن حنبل في مسنده 3 / 50 ح 8538 ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم )
قال : " يقتص الخلق بعضهم من بعض ، حتى الجماء من القرناء . . . " .
وابن عدي في الكامل في الضعفاء 2 / 649 ، عن عثمان ، قال : قال
النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " يقتص للجماء من القرناء يوم القيامة " .
والحاكم في المستدرك 2 / 316 ، عن أبي هريرة : " . . . فيبلغ من عدل الله أن
يأخذ للجماء من القرناء . . . " .
وابن الأثير في النهاية في غريب الحديث 1 / 300 : إن الله تعالى ليدين
الجماء من ذات القرن " ، والجماء : التي لا قرن لها .
والبرقي في المحاسن 1 / 68 رقم 18 ، إن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) صعد المنبر
بالكوفة - إلى أن قال : - قال الله عز وجل : وعزتي وجلالي لا يجوزني ظلم
ظالم . . . ونطحة ما بين الشاة القرناء إلى الشاة الجماء .
والمجلسي في بحار الأنوار 95 / 462 ، في صحيفة نبي الله إدريس ( عليه السلام ) في
التوكل - إلى أن يقول : - فورب السماء ليقتصن من القرناء للجماء .
( 3 ) قال المقداد السيوري في إرشاد الطالبين - ص 285 - :
مسألة : هل العوض واجب على الباري تعالى ؟
قال العلامة : هو واجب ، وإلا لزم الظلم .
أقول : العوض : إما مستحق عليه تعالى ، فيجب عليه إيصاله إلى مستحقه
وإلا لكان ظالما - تعالى الله عنه - ، والظالم بذلك ضروري . .
وإما مستحق على العبد ، فيجب عليه تعالى الانتصاف للمظلوم من الظالم ،
لأنه لما مكنه من الظلم بإعطاء القدرة ولم يمنعه بالجبر ، وجب عليه الانتصاف ،
وهو أن يأخذ من منافع الظالم التي استحقها على الله أو على غيره للمظلوم بقدر ما
يوازي ظلمه ، وإلا لكان تعالى بالتمكين ظالما .
ولا يلزم من تمكينه الظالم كون العوض عليه تعالى ، لأنه لم يأمره بالظلم ولم
يجبره عليه ، بل إنما أعطاه القدرة والتمكين ليستعمل ذلك في الطاعة .
ومثاله : إن من أعطى شخصا سيفا ليقتل به كافرا فقتل به مؤمنا ، فكما إن
العوض هنا على القتل فكذا هناك .
قال : وهل يجوز أن يمكن الله تعالى من الظلم من لا عوض له في الحال
يوازي فعله ؟ ! جوزه أبو هاشم والبلخي . واختلفا : فيجوز البلخي خروجه من
الدنيا بغير عوض ، بل يتفضل الله تعالى على الظالم بالعوض ويدفعه إلى المظلوم ،
ومنعه أبو هاشم وأوجب التبقية ، لأن الانتصاف واجب ، فلا تعلق بالتفضل الجائز .
أقول : قد ذكرنا أن الانتصاف الذي هو نقل المنافع إلى المظلوم واجب عليه
تعالى ، والآن نقول : هل يجوز في الحكمة أن يمكن الله تعالى من الظلم من
لا عوض له يوازي ما صدر عنه ، أم لا ؟ ! جوز ذلك أبو القاسم البلخي ومحمود
الخوارزمي وأبو هاشم ، ومنعه السيد المرتضى - رضوان الله تعالى عليه - .
حجة الأولين : أنه لو لم يكن جائزا لما وقع ، لكنه واقع ، فيكون جائزا وهو
المطلوب . .
أما الملازمة : فظاهرة ، وأما بيان الوقوع : فلأنا نرى الملوك والظلمة يصدر عنهم
آلام عظيمة ، ومن المستبعد أن يكون لذلك الظالم القاهر أعواض توازي ما صدر
عنه بالنسبة إلى كل واحد واحد من المظلومين .
والجواب : غير مستبعد أن يكون قد حصل لذلك الظالم الآلام التي يفعلها الله
تعالى به أعواضا كثيرة بحيث ما يوازي ما عليه ، فإن العوض عليه تعالى زائد إلى
حد الرضا وعلينا مساوي .
ثم اختلف هؤلاء المجوزون في أنه هل يجوز أن يخرج من الدنيا ولا عوض له
أم لا ؟ ! فقال أبو القاسم : يجوز ذلك ، لجواز أن يضمن الله تعالى عنه ، ويتفضل
عليه بأعواض يوصلها إلى المظلوم .
وقال أبو هاشم : لا يجوز ، لأن التفضل جائز والانتصاف واجب ، ولا يعلق
الواجب على الجائز . وقال : يجب على الله تعالى تبقيته كي يحصل له أعواض
ينقلها عنه .
قال السيد المرتضى : الانتصاف واجب ، والتفضل والتبقية جائزان فلا يعلق
الواجب بهما .