تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجلة تراثنا — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
وإذا لم يتحمله عنهم لم يغفره لهم ، وإذا لم يغفره لهم كان الواجب أخذ الحق منهم لمن ظلموه ، وهو ظاهر جلي . وقوله تعالى : * ( وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون ) * ( 1 ) وأمثالها من الآيات . وقول النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " ليأخذن الله للجماء من القرناء " ( 2 ) وأشباهه من الروايات يصححان هذه الأخبار ويثبتان حكمها تمام الإثبات . وقاعدة العدل - المبينة في الكتب الكلامية ، الحاكمة بوجوب الاقتصاص من الظالم للمظلوم ( 3 ) على وجه الإطلاق الذي لا يقبل التقييد -
هامش
( 1 ) سورة الزمر 39 : 69 . ( 2 ) أورده ابن حنبل في مسنده 3 / 50 ح 8538 ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال : " يقتص الخلق بعضهم من بعض ، حتى الجماء من القرناء . . . " . وابن عدي في الكامل في الضعفاء 2 / 649 ، عن عثمان ، قال : قال النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " يقتص للجماء من القرناء يوم القيامة " . والحاكم في المستدرك 2 / 316 ، عن أبي هريرة : " . . . فيبلغ من عدل الله أن يأخذ للجماء من القرناء . . . " . وابن الأثير في النهاية في غريب الحديث 1 / 300 : إن الله تعالى ليدين الجماء من ذات القرن " ، والجماء : التي لا قرن لها . والبرقي في المحاسن 1 / 68 رقم 18 ، إن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) صعد المنبر بالكوفة - إلى أن قال : - قال الله عز وجل : وعزتي وجلالي لا يجوزني ظلم ظالم . . . ونطحة ما بين الشاة القرناء إلى الشاة الجماء . والمجلسي في بحار الأنوار 95 / 462 ، في صحيفة نبي الله إدريس ( عليه السلام ) في التوكل - إلى أن يقول : - فورب السماء ليقتصن من القرناء للجماء . ( 3 ) قال المقداد السيوري في إرشاد الطالبين - ص 285 - : مسألة : هل العوض واجب على الباري تعالى ؟ قال العلامة : هو واجب ، وإلا لزم الظلم . أقول : العوض : إما مستحق عليه تعالى ، فيجب عليه إيصاله إلى مستحقه وإلا لكان ظالما - تعالى الله عنه - ، والظالم بذلك ضروري . . وإما مستحق على العبد ، فيجب عليه تعالى الانتصاف للمظلوم من الظالم ، لأنه لما مكنه من الظلم بإعطاء القدرة ولم يمنعه بالجبر ، وجب عليه الانتصاف ، وهو أن يأخذ من منافع الظالم التي استحقها على الله أو على غيره للمظلوم بقدر ما يوازي ظلمه ، وإلا لكان تعالى بالتمكين ظالما . ولا يلزم من تمكينه الظالم كون العوض عليه تعالى ، لأنه لم يأمره بالظلم ولم يجبره عليه ، بل إنما أعطاه القدرة والتمكين ليستعمل ذلك في الطاعة . ومثاله : إن من أعطى شخصا سيفا ليقتل به كافرا فقتل به مؤمنا ، فكما إن العوض هنا على القتل فكذا هناك . قال : وهل يجوز أن يمكن الله تعالى من الظلم من لا عوض له في الحال يوازي فعله ؟ ! جوزه أبو هاشم والبلخي . واختلفا : فيجوز البلخي خروجه من الدنيا بغير عوض ، بل يتفضل الله تعالى على الظالم بالعوض ويدفعه إلى المظلوم ، ومنعه أبو هاشم وأوجب التبقية ، لأن الانتصاف واجب ، فلا تعلق بالتفضل الجائز . أقول : قد ذكرنا أن الانتصاف الذي هو نقل المنافع إلى المظلوم واجب عليه تعالى ، والآن نقول : هل يجوز في الحكمة أن يمكن الله تعالى من الظلم من لا عوض له يوازي ما صدر عنه ، أم لا ؟ ! جوز ذلك أبو القاسم البلخي ومحمود الخوارزمي وأبو هاشم ، ومنعه السيد المرتضى - رضوان الله تعالى عليه - . حجة الأولين : أنه لو لم يكن جائزا لما وقع ، لكنه واقع ، فيكون جائزا وهو المطلوب . . أما الملازمة : فظاهرة ، وأما بيان الوقوع : فلأنا نرى الملوك والظلمة يصدر عنهم آلام عظيمة ، ومن المستبعد أن يكون لذلك الظالم القاهر أعواض توازي ما صدر عنه بالنسبة إلى كل واحد واحد من المظلومين . والجواب : غير مستبعد أن يكون قد حصل لذلك الظالم الآلام التي يفعلها الله تعالى به أعواضا كثيرة بحيث ما يوازي ما عليه ، فإن العوض عليه تعالى زائد إلى حد الرضا وعلينا مساوي . ثم اختلف هؤلاء المجوزون في أنه هل يجوز أن يخرج من الدنيا ولا عوض له أم لا ؟ ! فقال أبو القاسم : يجوز ذلك ، لجواز أن يضمن الله تعالى عنه ، ويتفضل عليه بأعواض يوصلها إلى المظلوم . وقال أبو هاشم : لا يجوز ، لأن التفضل جائز والانتصاف واجب ، ولا يعلق الواجب على الجائز . وقال : يجب على الله تعالى تبقيته كي يحصل له أعواض ينقلها عنه . قال السيد المرتضى : الانتصاف واجب ، والتفضل والتبقية جائزان فلا يعلق الواجب بهما .
مجلة تراثنا — صفحة 235 | مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث