الثانية : لو صح ما افترضه الخليفة ، من أن احتمال الكذب أو الخطأ
يسقط الرواية من الاعتبار ، للزم طرح جميع ما روي عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم )
في الصحاح والمسانيد ، لإمكان ورود مثل هذا الاحتمال فيه ، وهذا ما
لا يقول به أحد ، لأن القول بذلك من شأنه أن يسقط أصلا من أصول
التشريع الإسلامي ، وأن يقضي على السنة النبوية قضاء تاما ، ويلغي
الأحكام الشرعية .
ولا أدري هل خفي على الخليفة أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان يقبل
مشورة الصحابة في القضايا الخارجية وأمور الحرب ؟ ! فكيف به يقول مثل
هذا ؟ !
إن آية النبأ خير دليل على عمل المسلمين بخبر العدول وتوقفهم عند
خبر الفساق ، وكذا السيرة العقلائية فإنها جارية على العمل بأخبار الثقات
واعتمادها ، مع ملاحظة أن سيرة العقلاء غير مختصة بالمسلمين ، لأن
العقلاء بجميع مشاربهم ، ومذاهبهم المتفرقة ، ونحلهم المتعددة ، قبل
الإسلام وبعده قد عملوا بهذا .
وعليه : فإن احتمال الكذب والسهو لا يسقط الرواية عن الأخذ بها ،
وبعد هذا يتجلى أن طرح الخليفة لتلك الروايات يرجع لأمور خاصة به
لا لما في تلك الأحاديث من عيوب !
ونضيف إلى الأمر شيئا آخر ، وهو : لو سلمنا أن مجرد الشك
والاحتمال يسقط الخبر من الحجية عند الشاك ، فلا نسلم سقوط الخبر عند
غير الشاك في المرويات ، فكان على الخليفة - لو كان يريد التثبت حقا - أن
ينقل المرويات ويشير إلى شكه وأنه في أي قسم يقع ، وللمخبر بالخبر أن
يعمل به أو لا يعمل وفقا لما يفرضه عليه الدين . .
مجلة تراثنا — صفحة 97
مساهمون: مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث
ص٩٧