وأما لو بلغ المقتضي لما هو راجح درجة لا يمكن معها اعتماد
التأويل وبأي نحو ، فحينئذ ستتكافأ جميع وجوه الخبر ويعود متشابها ،
ويرجع في تفسيره إلى المحكم إن وجد ، وإلا فالتوقف كما هو مقرر في
محله .
وعلى هذا قد يلغي الطرف الراجح بقية الوجوه الأخر - وإن كانت
محتملة - في ما لو بلغ مقتضيه درجة التواتر ، لأن درجة احتمالها ستهبط
إلى أدنى المستويات إلى أن تتلاشى بفعل قوة الوجه الآخر المؤيد
بالتواتر .
وقد مر ما له صلة بهذا في صفة تأويل الخبر عند الشيخ ( قدس سره ) ، ونعني
به الخبر المختلف الذي لم يترجح من وجوهه المحتملة سوى وجه واحد
فقط ، وكان المقتضي للحمل عليه خبر متواتر .
وجدير بالذكر هنا هو أن المقتضي لحمل الخبر المختلف على أحد
الوجوه قد لا يكون مقتضيا لذلك في الواقع ، وإنما خفي على صاحب
التأويل ذلك ، فأخذ بالمحتمل الضعيف ، أو بما هو ليس بمحتمل أصلا
وعده راجحا وترك الراجح بعد أن جعله محتملا ، كما نشاهده في كثير من
تأويلات علماء العامة لأخبار النزول مثلا !
ومن هنا يعرف السر وراء رد الشيخ الطوسي ( قدس سره ) لجملة كثيرة من
تأويلات العامة سواء على مستوى تأويلهم للآيات - كما مر بنا في بيان دور
الشيخ في التفسير وعلوم القرآن - ، أو الأخبار كتأويلهم حديث الغدير ، لأنه
استطاع وبكل جدارة أن يضع المقتضي لتلك التأويلات على محك النقد ،
ويكشف بالدليل عن هزاله وافتقاره لأي رصيد من الواقع .
وسيأتي - إن شاء الله تعالى - المزيد من التوضيح في مجال بيان دور
مجلة تراثنا — صفحة 122
مساهمون: مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث
ص١٢٢